وَمَا ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ وَالْقَسْطَلاَّنِيُّ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي النُّسْخَةِ الْمَطْبُوعَةِ مِنْ كِتَابِ (شَوَاهِدُ التَّوْضِيحِ) بِتَحْقِيقِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ فُؤَادٍ عَبْدِ الْبَاقِي -رَحِمَهُ اللهُ- وَلَعَلَّهُ فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى لَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا. وَاللهُ الْمُطَلِّعُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.
وَمِنْ عَوْدِ الضَّمِيرِ الْمُؤَنَّثِ إِلَى مُذَكَّرٍ بِالتَّأْوِيلِ، مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الآخَرِ «ثُمَّ أَتَى جِذْعًا فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَاسْتَنَدَ إِلَيْهَا» ، فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: (إِلَيْهَا) مُؤَنَّثٌ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْجِذْعِ، وَهُوَ مُذَكَّرٌ، وَتَوْجِيهُ ذَلِكَ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ: «هَكَذَا هُوَ فِي كُلِّ الأُصُولِ (فَاسْتَنَدَ إِلَيْهَا) ، وَالْجِذْعُ مُذَكَّرٌ، وَلَكِنَّهُ أَنَّثَهُ عَلَى إِرَادَةِ الْخَشَبَةِ، وَكَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ (خَشَبَةً) » [1] .
فَهَذَا الْحَدِيثُ وَرَدَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ: «ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدِّمِ الْمَسْجِدِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا» [2] ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «قَوْلُهُ: (فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا) تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ بِلَفْظِ (فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ) أَيْ: مَوْضُوعَةٍ بِالْعَرْضِ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ (ثُمَّ أَتَى جِذْعًا فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَاسْتَنَدَ إِلَيْهَا مُغْضَبًا) ، وَلاَ تَنَافِيَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ؛ لأَنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْجِذْعَ قَبْلَ اتِّخَاذِ الْمِنْبَرِ كَانَ مُمْتَدًّا بِالْعَرْضِ، وَكَأَنَّهُ الْجِذْعُ الَّذِي كَانَ (يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ قَبْلَ اتِّخَاذِ الْمِنْبَرِ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ» [3] .
وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا: مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْغُسْلِ: «ثُمَّ أُتِيَ بِمِنْدِيلٍ، فَلَمْ يَنْفَضْ بِهَا» ، فَالضَّمِيرُ الْمُؤَنَّثُ فِي قَوْلِهِ (بِهَا) رَاجِعٌ إِلَى (مِنْدِيلٍ) الْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُذَكَّرٌ، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ؛ لأَنَّ الْمِنْدِيلَ خِرْقَةٌ مَخْصُوصَةٌ؛ فَرَجَعَ الضَّمِيرُ إِلَى (خِرْقَةٍ) فَأُنِّثَ. [4]
وَمِنْهُ -أَيْضًا- مَا ذَكَرَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي (شَوَاهِدِ التَّوْضِيحِ) ، وَهُوَ قَوْلُهُ (: «مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ. قَالُوا: وَلاَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: وَلاَ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ» .
هَكَذَا نَصُّ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ ابْنِ مَالِكٍ فِي (شَوَاهِدِ التَّوْضِيحِ) ، وَقَدْ وَرَدَ فِي (صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ) الْمَطْبُوعِ، بِلَفْظِ: «مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلُ مِنَ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ. قَالُوا: وَلاَ الْجِهَادُ؟ قَالَ: وَلاَ الْجِهَادُ، إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ» [5] .
(1) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 5/ 70.
(2) البخاري، كتاب السهو، باب (5) ح (1229) 2/ 68.
(3) فتح الباري 3/ 120.
وابن عون هو: أبو عون، عبد الله بن عون بن أرطبان، مولى مزينة، البصري، ولد سنة (66 هـ) ، وممن سمعهم ابن سيرين وغيره، توفي سنة إحدى وخمسين ومئة (151 هـ) ، وقيل: (150 هـ) ، وهو ابن سبع وثمانين. ينظر: التاريخ الكبير، رقم (512) 5/ 163، ومولد العلماء ووفياتهم/ للربعي، ص:182، ورجال صحيح البخاري، رقم (605) 1/ 419.
(4) ينظر: الكواكب الدراري 3/ 122، والتنقيح 1/ 113، وفتح الباري 1/ 443، وعمدة القاري 3/ 206، وإرشاد الساري 1/ 297.
(5) البخاري، كتاب العيدين، باب (11) ح (969) 2/ 20.