قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «قَوْلُهُ (مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي هَذِهِ) كَذَا لأَكْثَرِ الرُّوَاةِ بِالإِبْهَامِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ عَنِ الْكَشْمِيهَنِيِّ (مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلُ مِنَ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ) » [1] .
فَالشَّاهِدُ الَّذِي يَصْلُحُ فِي هَذَا الْمَبْحَثِ مَوْجُودٌ فِي النَّصِّ الَّذِي أَوْرَدَهُ ابْنُ مَالِكٍ، وَقَالَ فِي تَوْجِيهِهِ: «قُلْتُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِشْكَالٌ مِنْ جِهَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: عَوْدُ ضَمِيرٍ مُؤَنَّثٍ فِي"مِنْهَا"إِلَى الْعَمَلِ، وَهُوَ مُذَكَّرٌ.
وَالثَّانِيَةُ: اسْتِثْنَاءُ رَجُلٍ مِنَ الْجِهَادِ، وَإِبْدَالُهُ مِنْهُ، مَعَ تَبَايُنِ جِنْسَيْهِمَا.
فَأَمَّا الأَوَّلُ فَوَجْهُهُ أَنَّ الأَلِفَ وَاللاَّمَ فِي (الْعَمَلِ) لاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ، فَصَارَ بِهِمَا فِيهِ عُمُومٌ مُصَحِّحٌ لِتَأَوُّلِهِ بِجَمْعٍ، كَغَيْرِهِ مِنْ أَسْمَاءِ الأَجْنَاسِ الْمَقْرُونَةِ بِالأَلِفِ وَاللاَّمِ الْجِنْسِيَةِ؛ وَلِذَلِكَ يُسْتَثْنَى مِنْهُ، نَحْوُ: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (} [2] ، وَيُوصَفُ بِمَا يُوصَفُ بِهِ الْجَمْعُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( } [3] ، وَكَقْوَلِ بَعْضِ الْعَرَبِ:"أَهْلَكَ النَّاسَ الدِّرْهَمُ الْبِيضُ وَالدِّينَارُ الْحُمْرُ".
فَكَمَا جَازَ أَنْ يُوصَفَ بِمَا يُوصَفُ بِهِ الْجَمْعُ؛ لِمَا حَدَثَ فِيهِ مِنَ الْعُمُومِ، كَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يُعَادَ إِلَيْهِ ضَمِيرٌ كَضَمِيرِ الْجَمْعِ، فَيُقَالُ:"الدِّينَارُ بِهَا هَلَكَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ"؛ لأَنَّهُ فِي تَأْوِيلِ الدَّنَانِيرِ.
وَ"مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ"؛ لأَنَّهُ فِي تَأْوِيلِ الأَعْمَالِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَنَّثَ ضَمِيرَ الْعَمَلِ لِتَأْوِيلِهِ بِحَسَنَةٍ، كَمَا أَوَّلَ الْكِتَابَ بِصَحِيفَةٍ، مَنْ قَالَ: أَتَتْهُ كِتَابِي.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ: وَلاَ الْجِهَادُ إِلاَّ جِهَادُ رَجُلٍ، ثُمَّ حُذِفَ الْمُضَافُ، وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مُقَامَهُ» [4] .
ثَالِثًا: عَوْدُ ضَمِيرِ الْجَمْعِ الْمُذَكَّرِ إِلَى الْجَمْعِ الْمُؤَنَّثِ:
مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ (: «ابْدَؤُوا بِمَيَامِينِهَا» ، فَالْخِطَابُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الرَّسُولِ (إِلَى النِّسْوَةِ اللاَّتي كُنَّ يَغْسِلْنَ ابْنَتَهُ [5] لَمَّا تُوفِيَتْ؛ لِذَا كَانَ الْقِيَاسُ فِي قَوْلِهِ(ابْدَؤُوا) أَنْ يَكُونَ (ابْدَأْنَ) بِنُونِ النِّسْوَةِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ (اغْسِلْنَهَا وِتْرًا) .
(1) فتح الباري 2/ 532.
(2) سورة العصر، من الآيتين: 2، 3.
(3) سورة النور، من الآية:31.
(4) شواهد التوضيح والتصحيح، ص:117.
(5) قال ابن حجر: «لم تقع في شيء من روايات البخاري مسماة، والمشهور أنها زينب زوج أبي العاصي ابن الربيع، والدة أمامة، التي تقدم ذكرها في الصلاة، وهي أكبر بنات النبي (، وكانت وفاتها -فيما حكاه الطبري في(الذيل) - في أول سنة ثمان، وقد وردت مسماة في هذا عند مسلم، من طريق عاصم الأحول عن حفصة عن أم عطية. . .» فتح الباري 3/ 153.