رَجُلٍ بَلِ اثْنَانِ"؛ لأَنَّكَ قَدْ نَفَيْتَ وُجُودَ جِنْسِ الرَّجُلِ فِي الدَّارِِ، بِخِلاَفِ قَوْلِكَ:"مَا فِي الدَّارِ رَجُلٌ"، فَإِنَّهُ لِنَفْيِ الْوَحْدَةِ، فَيَصِحُّ أَنْ تَقُولَ:"مَا فِيهَا رَجُلٌ بَلِ اثْنَانِ"، قَالَ الْمُبَرِّدُ: «وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إِنَّهَا تَكُونُ زَائِدَةً، فَلَسْتُ أَرَى هَذَا كَمَا قَالُوا؛ وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ، إِذَا وَقَعَتْ وَقَعَ مَعَهَا مَعْنًى، فَإِنَّمَا حَدَثَتْ لِذَلِكَ الْمَعْنَى، وَلَيْسَتْ بِزَائِدَةٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُمْ:"مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ"، وَ"مَا رَأَيْتُ مِنْ رَجُلٍ"، فَذَكَرُوا أَنَّهَا زَائِدَةٌ، وَأَنَّ الْمَعْنَى: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا، وَمَا جَاءَنِي أَحَدٌ، وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا؛ وَذَلِكَ لأَنَّهَا إِذَا لَمْ تَدْخُلْ جَازَ أَنْ يَقَعَ النَّفْيُ بِوَاحِدٍ، [مِنْ] دُونِ سَائِرِ جِنْسِهِ، تَقُولُ:"مَا جَاءَنِي رَجُلٌ"، وَ"مَا جَاءَنِي عَبْدُ اللهِ"، إِنَّمَا نَفَيْتَ مَجِيءَ وَاحِدٍ، وَإِذَا قُلْتَ:"مَا جَاءَنِي مِنْ رَجُلٍ"، فَقَدْ نَفَيْتَ الْجِنْسَ كُلَّهُ، أَلاَ تَرَى أَنَّكَ لَوْ قُلْتَ:"مَا جَاءَنِي مِنْ عَبْدِ اللهِ"لَمْ يَجُزْ؛ لأَنَّ عَبْدَ اللهِ مَعْرِفَةٌ، فَإِنَّمَا مَوْضِعُهُ مَوْضِعُ وَاحِدٍ» [1] ."
وَمِنْ شَوَاهِدِ زِيَادَةِ"مِنْ"لِلتَّنْصِيصِ عَلَى الْعُمُومِ قَوْلُهُ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( ( ... (( (( (( (} [2] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (} [3] ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ (: «مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ .... » [4] .
وَالْمَعْنَى الآخَرُ: تَوْكِيدُ الْعُمُومِ، بِأَنْ تَدْخُلَ"مِنْ"عَلَى الأَسْمَاءِ الْمَقْصُورَةِ عَلَى الْعُمُومِ، نَحْوُ:"مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ، أَوْ دَيَّارٍ، أَوْ عَرِيبٍ"؛ لأَنَّ هَذِهِ أَلْفَاظٌ لاَ تُسْتَعْمَلُ إِلاَّ لِلْعُمُومِ فِي النَّفْيِ، وَإِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهَا"مِنْ"لَمْ تُحْدِثْ مَا لَمْ يَكُنْ، وَإِنَّمَا تَأْتِي تَوْكِيدًا لِذَلِكَ الْعُمُومِ.
اشْتَرَطَ الْجُمْهُورُ لِزِيَادَةِ"مِنْ"شَرْطَيْنِ [5] :
أَحَدُهُمَا: كَوْنُهَا فِي غَيْرِ الْمُوجَبِ، نَفْيًا، أَوْ نَهْيًا، أَوِ اسْتِفْهَامًا [6] .
(1) المقتضب 1/ 45.
(2) سورة المائدة، من الآية: 73.
(3) سورة الأنعام، من الآية: 59.
(4) البخاري، كتاب اللباس، باب (24) ، ح (5827) 7/ 149، ومسلم، كتاب الإيمان، باب (40) ، ح 154 - (94) 1/ 95.
(5) ينظر: الضرائر اللغوية في الشعر الجاهلي، ص:175.
(6) قيَّد المرادي وابن هشام الاستفهام هنا على أن يكون بـ"هل". ينظر: الجنى الداني ص: 317، والمغني 1/ 523.