وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْخَبَرَ"هَؤُلاَءِ"عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضَافٍٍ، تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ أَنْتُمْ مِِثْلُ هَؤُلاَءِ، كَقَوْلِكَ: أَبُو يُوسُفَ أَبُو حَنِيفَةَ، فَعَلَى هَذَا"تَقْتُلُونَ"حَالٌ، يَعْمَلُ فِيهَا مَعْنَى التَّشْبِيهِ» [1] .
وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْكَلاَمِ أَنَّ الآيَةَ حُجَّةٌ عَلَى الْبَصْرِيِّينَ، وَلَيْسَتْ لَهُمْ.
وَفِي نَظَرِ الْبَحْثِ أَنَّ الصِّنَاعَةَ النَّحْوِيَّةَ تَنْفِي مَجِيءَ"هَؤُلاَءِ"بِمَعْنَى"الَّذِينَ"-وَإِنْ قَالَ بِهِ الْكُوفِيُّونَ-؛ لأَنَّ"هَؤُلاَءِ"كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ -عَلَى الْمَشْهُورِ- مِنْ"هَاءِ"التَّنْبِيهِ، وَ"أُولاَءِ"، قَالَ ابْنُ جِنِّي: «اعْلَمْ أَنَّ"أُلاَءِ"وَزْنُهُ إِذَا مُثِّلَ"فُعَالٌ"كَـ"غُرَابٍ"» [2] ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَكَيْفَ تَنُوبُ كَلِمَتَانِ عَنْ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ؟!!.
ثَانِيًا: أَنَّ احْتِجَاجَ الْكُوفِيِّينَ بِقَوْلِ الْعَرَبِ:"أَطْرِقْ كَرَا"فِيهِ شُذُوذٌ آخَرُ، وَهُوَ تَرْخِيمُ مُنَادًى عَارٍ مِنَ الْعَلَمِيَّةِ، إِلاَّ عَلَى رَأْيِ الْمُبَرِّدِ، الَّذِي يَرَى أَنَّهُ يُقَالُ لِذَكَرِ الْكَرَوَانِ:"كَرَا"، فَلاَ شُذَوذَ فِيهِ حِيَنئِذٍ إِلاَّ بِحَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ، وَفِي هَذَا يَقُولُ ابْنُ مَالِكٍ: «وَلاَ يُسْتَبَاحُ فِي غَيْرِ ضَرُورَةٍ تَرْخِيمُ مُنَادًى عَارٍ مِنْ عَلَمِيَّةٍ، وَمِنْ هَاءِ تَأْنِيثٍ، وَشَذَّ قَوْلُهُمْ فِي صَاحِبٍ:"يَا صَاحِ"، وَفِي كَرَوَانَ:"يَا كَرَا"، وَزَعَمَ الْمُبَرِّدُ أَنَّ ذَكَرَ الْكَرَوَانِ يُقَالُ لَهُ:"كَرَا"، وَمِنْ أَجْلِ قَوْلِهِ قُلْتُ: (وَ"أَطْرِقْ كَرَا"، عَلَى الأَشْهَرِ) ؛ لأَنَّ الأَشْهَرَ فِي:"أَطْرِقْ كَرَا": أَطْرِقْ يَا كَرَوَانُ، فَرُخِّمَ، وَحَقُّهُ أَلاَّ يُرَخَّمَ؛ لأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ عَارٍ مِنْ هَاءِ التَّأْنِيثِ، وَقُدِّرَ مَا بَقِيَ مُسْتَقِلاًّ، فَأُبْدِلَتِ الْوَاوُ أَلِفًا، وَحُذِفَ حَرْفُ النِّدَاءِ، وَحَقُّهُ أَلاَّ يُحْذَفَ؛ لأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ مُفْرَدٍ، فَفِيهِ عَلَى هَذَا ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ مِنَ الشُّذُوذِ، وَعَلَى قَوْلِ الْمُبَرِّدِ: لاَ شُذُوذَ فِيهِ، إِلاَّ مِنْ قِبَلِ حَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ فِي نِدَاءِ اسْمِ الْجِنْسِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ كَلاَمِي مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لاَ شُذُوذَ فِيهِ إِلاَّ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى شَوَاهِدِ جَوَازِهِ» [3] .
وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(1) التبيان في إعراب القرآن 1/ 74.
(2) سر صناعة الإعراب 2/ 723.
(3) شرح التسهيل 3/ 432.