رَدَّهُ ابْنُ هِشَامٍ، بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَدَخَلَتْ"إِلاَّ"عَلَى أَوَّلِ الْجُمْلَةِ الْوَاقِعَةِ خَبَرًا، فَقِيلَ:"لَيْسَ إِلاَّ الطِّيبُ الْمِسْكُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:"
أَلاَ لَيْسَ إِلاَّ مَا قَضَى اللهُ كَائِنٌ *** وَمَا يَسْتَطِيعُ الْمَرْءُ نَفْعًا وَلاَ ضَرَّا [1]
وَأَجَابَ الْفَارِسِيُّ بِأَنَّ"إِلاَّ"قَدْ تُوضَعُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، مِثْلُ: {? ... ? ? ... ?} [2] أَيْ: إِنْ نَحْنُ إِلاَّ نَظُنُّ ظَنًّا، وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
*وَمَا اغْتَرَّهُ الشَّيْبُ إِلاَّ اغْتِرَارَا* [3]
أَيْ: وَمَا اغْتَرَّهُ اغْتِرَارًا إِلاَّ الشَّيْبُ؛ لأَنَّ الاِسْتِثْنَاءَ الْمُفَرَّغَ لاَ يَكُونُ فِي الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ التَّوْكيِدِيِّ؛ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَصْدَرَ فِي الآيَةِ وَالْبَيْتِ نَوْعِيٌّ، عَلَى حَذْفِ الصِّفَةِ، أَيْ: إِلاَّ ظَنًّا ضَعِيفًا، وَإِلاَّ اغْتِرَارًا عَظِيمًا.
2 -أَنَّ"الطِّيبَ"اسْمُهَا، وَخَبَرُهَا مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فِي الْوُجُودِ، وَ"الْمِسْكَ"بَدَلٌ مِنَ اسْمِهَا.
3 -أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ"إِلاَّ الْمِسْكُ"نَعْتٌ لِلاِسْمِ، وَلَيْسَ بَدَلًا مِنَ الْخَبَرِ؛ لأَنَّ تَعْرِيفَهُ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ، فَهُوَ نَكِرَةٌ فِي الْمَعْنَى، أَيْ: لَيْسَ طِيبٌ غَيْرُ الْمِسْكِ طِيبًا.
وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ [4] لأَبِي نِزَارٍ الْمُلَقَّبِ بِمَلِكِ النُّحَاةِ [5] تَوْجِيهًا آخَرَ، هُوَ: أَنَّ"الطِّيبُ"اسْمُ"لَيْسَ"، وَ"الْمِسْكُ"مُبْتَدَأٌ، حُذِفَ خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ"لَيْسَ"، وَالتَّقْدِيرُ: إِلاَّ الْمِسْكُ أَفْخَرُهُ.
فَكُلُّ هَذِهِ التَّأْوِيلاَتِ وَالاِحْتِمَالاَتِ تَجْعَلُ الاِسْتِدْلاَلَ بِذَلِكَ غَيْرَ مَتِينٍ؛ لأَنَّ الدَّلِيلَ إِذَا كَانَ مُحْتَمِلًا بَطُلَ الاِسْتِدْلاَلُ بِهِ.
(1) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في: المغني 1/ 482.
(2) سورة الجاثية من الآية:32.
(3) عجز بيت من المتقارب، للأعشى، وصدره:
*أَحَلَّ بِهِ الشَّيْبُ أَثْقَالَهُ*
وهو في: ديوانه، ص:95، والمسائل الحلبيات، ص:229، وشرح أبيات المغني 5/ 209، وبلا نسبة في: شرح المفصل 4/ 360، والمغني 1/ 482، والخزانة 3/ 374.
(4) المغني بحاشية الدسوقي 2/ 201.
(5) ملك النحاة هو: أبو نزار، الحسن بن صافي، البغدادي، النحوي، اشتغل بالأصول والعربية، أخذ عن علي بن زيد الفصيحي، توفي سنة ثمان وستين وخمس مئة (568 هـ) . ينظر: إنباه الرواة 1/ 305 - 310، وإشارة التعيين، ص:91، وبغية الوعاة 1/ 504.