ثَانِيًا: أَنَّ"لَيْسَ"إِذَا انْفَرَدَتْ بِاسْمٍ مَرْفُوعٍ: فَإِنَّ الْجُمْهُورَ يُعْرِبُونَ ذَلِكَ الاِسْمَ اسْمًا لِـ"لَيْسَ"، وَخَبَرُهُ مُقَدَّرٌ، وَمُؤَخَّرٌ عَنِ الاِسْمِ، مِثْلَ:"أَلَيْسَ ذُو الْحِجَّةِ هَذَا الشَّهْرَ؟".
وَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ (أَلَيْسَهُ ذُو الْحِجَّةِ؟) وَ (لَيْسَهُ شَبِيهٌ بِعَلِيٍّ) فَإِنَّهُ يَكُونُ الْخَبَرُ قَدْ تَوَسَّطَ بَيْنِ"لَيْسَ"وَاسْمِهِ، وَهَذَا جَائِزٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، خِلاَفًا لاِبْنِ دُرُسْتُوَيْهِ وَابْنُ مُعْطٍ [1] ، قَالَ ابْنُ يَعِيشَ: «وَأَمَّا"لَيْسَ"فَفِيهَا خِلاَفٌ: فَمِنْهُمْ مَنْ يُغَلِّبَ عَلَيْهَا جَانِبَ الْحَرْفِيَّةِ، فَيُجْرِيهَا مُجْرَى"مَا"النَّافِيَةِ، فَلاَ يُجِيزُ تَقْدِيمَ خَبَرِهَا عَلَى اسْمِهَا، وَلاَ عَلَيْهَا، لاَ يَقُولُونَ:"لَيْسَ قَائِمًا زَيْدٌ"، وَلاَ:"قَائِمًا لَيْسَ زَيْدٌ"، وَعَلَيْهِ حَمَلَ سِيبَوَيْهِ [2] قَوْلَهُمْ:"لَيْسَ الطِّيبُ إِلاَّ الْمِسْكَُ"، وَ:"لَيْسَ خَلْقُ اللهِ أَشْعَرُ مِنْهُ"، أَجْرَاهَا مُجْرَى"مَا".
وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ تَقْدِيمَ خَبَرِهَا عَلَيْهَا نَفْسِهَا، نَحْوَ:"قَائِمًا لَيْسَ زَيْدٌ"، وَهُوَ قَوْلُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ [3] ، وَالْفَرَّاءِ مِنَ الْكُوفِيِّينَ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ. [4]
وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِالنَّصِّ وَالْمَعْنَى:
أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (} [5] .
وَوَجْهُ الدَّلِيلِ: أَنَّهُ قَدَّمَ مَعْمُولَ الْخَبَرِ عَلَيْهَا؛ وَذَلِكَ أَنَّ"يَوْمَ"مَعْمُولُ"مَصْرُوفًا"، الَّذِي هُوَ الْخَبَرُ، وَتَقْدِيمُ الْمَعْمُولِ يُؤْذِنُ بِجَوَازِ تَقْدِيمِ الْعَامِلِ؛ لأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ الْمَعْمُولُ حَيْثُ لاَ يَقَعُ الْعَامِلُ؛ لأَنَّ رُتْبَةَ الْعَامِلِ قَبْلَ الْمَعْمُولِ.
وَأَمَّا الْمَعْنَى: فَإِنَّهُ فِعْلٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا مُنِعَ الْمُضَارِعُ، لِلاِسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِلَفْظِ الْمَاضِي، وَهَذَا الْمَعْنَى لاَ يَنْقُصُ حُكْمَهَا، وَصَارَ كَـ"يَدَعُ"وَ"يَذَرُ"، لَمَّا مَنَعْنَا لَفْظَ الْمَاضِي مِنْهُمَا اسْتِغْنَاءً عَنْهُ بِـ"تَرَكَ"لَمْ تَنْقُصْ مِنْ حُكْمِ عَمَلِهِمَا.
(1) ينظر: شرح التسهيل 1/ 349، والتصريح على التوضيح 1/ 242.
وابن معط هو: زين الدين، أبو الحسين، يحيى بن عبد المعطي بن عبد النور الزواوي، الحنفي، المعروف بابن المعطي، ولد سنة (564 هـ) ، تلمذ للجزولي، وغيره، من مؤلفاته"الدرة الألفية في علم العربية"، توفي بالقاهرة سنة (628 هـ) . ينظر: سير النبلاء 13/ 200، أو 22/ 324، ووفيات الاعيان 6/ 197، وبغية الوعاة 2/ 344.
(2) ينظر: الكتاب 1/ 147.
(3) ينظر: الكتاب 1/ 147.
(4) ينظر: الإنصاف، مسألة (18) 1/ 151 - 154، وتأثير الكوفيين في نحاة الأندلس، ص:262.
(5) سورة هود، من الآية: 8.