وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الأَحْرُفَ لاَ تَعْمَلُ فِي الْخَبَرِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا هُوَ مَرْفُوعٌ بِمَا كَانَ مَرْفُوعًا بِهِ قَبْلَ دَخُولِهِنَّ؛ لأَنَّهُنَّ عَمِلَتِ النَّصْبَ فِي الاِسْمِ؛ لِمُشَابَهَتِهَا الْفِعْلَ بِالإِجْمَاعِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لاَ تَعْمَلَ فِي الْخَبَرِ؛ جَرْيًا عَلَى الْقِيَاسِ فِي حَطِّ الْفُرُوعِ عَنِ الأُصُولِ؛ وَلِضَعْفِ عَمَلِهَا، وَأَنَّ عَمَلَهَا يَبْطُلُ بِأَدْنَى شَيْءٍ، كَقَوْلِهِمْ:"إِنَّ بِكَ زَيْدٌ مَأْخُوذٌ". [1]
وَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ الأَصْلَ وَالْفَرْعَ قَدْ يَسْتَوِيَانِ فِي الْعَمَلِ، كَاسْمِ الْفَاعِلِ، فَإِنَّهُ يَعْمَلُ؛ لِشَبَهِ الْفِعْلِ، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ مَرْفُوعٌ وَمَنْصُوبٌ، وَكَذَا هَذِهِ الأَحْرُفُ، فَإِنَّهَا تَعْمَلُ فِي الاِسْمِ النَّصْبَ، وَإِنْ فُصِلَ بَيْنَهَا وَبَيْنِ الاِسْمِ بِظَرْفِ أَوْ جَارٍ وَمَجْرُورٍ [2] ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( } [3] .
فَعَلَى كِلاَ الْمَذْهَبَيْنِ فَإِنَّ الاِسْمَ بَعْدَ هَذِهِ الأَدَوَاتِ مَنْصُوبٌ، وَالْخَبَرُ بَعْدَهَا مَرْفُوعٌ، وَمَا جَاءَ عَلَى خِلاَفِ ذَلِكَ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ.
وَمِمَّا جَاءَ مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ: رَفْعُ الاِسْمِ وَالْخَبَرِ مَعًا، بَعْدَ"إِنَّ وَأَخَوَاتِهَا"-كَمَا فِي الأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ-، وَالْقِيَاسُ: نَصْبُ الاِسْمِ، وَرَفْعُ الْخَبَرِ.
وَقَدِ الْتَمَسَ الْمُعْرِبُونَ وَالشُّرَّاحُ لِمَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ فِي الأَحَادِيثِ وَجْهًا مِنَ الْعَرَبِيَّةِ، فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ هُنَاكَ ضَمِيرَ نَصْبٍ مَحْذُوفًا بَعْدَ الأَدَاةِ: إِمَّا ضَمِيرُ شَأْنٍ، أَوْ ضَمِيرٌ عَائِدٌ عَلَى سَابِقٍ [4] ، قَالَ النَّوَوِيُّ عَنِ الْحَدِيثِ الأَوَّلِ: «قَوْلُهُ (:(فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفٌ، وَمِنْكُمْ رَجُلٌ) هَكَذَا هُوَ فِي الأُصُولِ وَالرِّوَايَاتِ"أَلْفٌ"وَ"رَجُلٌ"بِالرَّفْعِ فِيهِمَا، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَتَقْدِيرُهُ:"أَنَّهُ"بِالْهَاءِ الَّتِي هِيَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَحُذِفَتِ الْهَاءُ، وَهُوَ جَائِزٌ مَعْرُوفٌ» [5] .
وَقَالَ الدَّمَامِينِيُّ: «وَيُرْوَى بِرَفْعِ"رَجَلٌ"وَ"أَلْفٌ"، فَهُنَا [يَجُوزُ] أَنْ يُقَدَّرَ اسْمُ"إِنَّ"مَحْذُوفًا، أَيْ: فَإِنَّهُ، وَالضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وَالْجُمْلَةُ الاِسْمِيَّةُ بَعْدَهُ خَبَرُ"إِنَّ".
وَيُرْوَى بِرَفْعِ"أَلْفٍ"وَنَصْبِ"رَجُلٍ"، وَهِيَ رِوَايَةُ الأَصِيلِيِّ، وَوَجْهُهَا أَنْ يَكُونَ"أَلْفٌ"مَرْفُوعًا عَلَى اسْمِ"إِنَّ"، بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ، وَهُوَ هُنَا جَائِزٌ بِالإِجْمَاعِ؛ لأَنَّهُ بَعْدَ مُضِيِّ الْخَبَرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، وَخَبَرُهُ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ الْمُتَقَدِّمُ عَلَيْهِ، وَالْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، الْمُصَدَّرَةِ بِـ"إِنَّ".
(1) ينظر: الإنصاف 1/ 167، وترشيح العلل، ص:141، والتصريح على التوضيح 1/ 293، وتأثير الكوفيين في نحاة الأندلس، ص:303.
(2) ينظر: الإنصاف 1/ 169.
(3) سورة المزمل، الآية: 12.
(4) ينظر: التنقيح 3/ 1245، وعمدة القاري 24/ 218، وإرشاد الساري 13/ 533، 15/ 78.
(5) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 3/ 92. وينظر: إرشاد الساري 13/ 533.