فَإِذَا قُلْتَ:"كِدْتُ أَفْعَلُ كَذَا"، فَلَسْتَ بِمُخْبِرٍ أَنَّكَ فَعَلْتَهُ، وَلاَ أَنَّكَ عَرَيْتَ مِنْهُ عُرْيَ مَنْ لَمْ يَرُمْهُ، وَلَكِنَّكَ رُمْتَهُ، وَتَعَاطَيْتَ أَشْيَاءَ مِنْهُ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ إِلاَّ مُوَاقَعَتُهُ لِفِعْلِهِ، أَوْ عَلَى حَدِّ فِعْلِهِ، وَلَفْظُ"كِدْتُ أَفْعَلُ"أَدَلُّ عَلَى حَقِيقَةِ الْمَعْنَى، وَأَخْصَرُ فِي اللَّفْظِ» [1] .
وَنَظَرًا لِتِلْكَ الدِّلاَلَةِ فَإِنَّ الْغَالِبَ فِي خَبَرِ"كَادَ"أَنْ يَكُونَ مُجَرَّدًا مِنْ"أَنْ"؛ لأَنَّ"كَادَ"تَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ مُقَارَبَةِ الْفِعْلِ وَالشُّرُوعِ فِيهِ، فِي حِينَ أَنَّ"أَنْ"تَصْرِفُ الْكَلاَمَ إِلَى الاِسْتِقْبَالِ، فَلاَ تَنَاسُبَ بَيْنَهُمَا [2] ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: «وَأَمَّا"كَادَ"فَإِنَّهُمْ لاَ يَذْكُرُونَ فِيهَا"أَنْ"، وَكَذَلِكَ"كَرَبَ يَفْعَلُ"، وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ، يَقُولُونَ:"كَرَبَ يَفْعَلُ، وَكَادَ يَفْعَلُ"، وَلاَ يَذْكُرُونَ الأَسْمَاءَ فِي مَوْضِعِ هَذِهِ الأَفْعَالِ؛ لِمَا ذَكَرْتُ لَكَ فِي الْكُرَّاسَةِ الَّتِي تَلِيهَا.
وَمِثْلُهُ:"جَعَلَ يَقُولُ"، لاَ تَذْكُرُ الاِسْمَ هَهُنَا، وَمِثْلُهُ:"أَخَذَ يَقُولُ"، فَالْفِعْلُ هَهُنَا بِمَنْزِلَةِ الْفِعْلِ فِي"كَانَ"إِذَا قُلْتَ:"كَانَ يَقُولُ"، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ اسْمٍ مَنْصُوبٍ بِمَنْزِلَتِهِ ثَمَّ. وَهُوَ ثَمَّ خَبَرٌ، كَمَا أَنَّهُ هَهُنَا خَبَرٌ، إِلاَّ أَنَّكَ لاَ تَسْتَعْمِلُ الاِسْمَ، فَأَخْلَصُوا هَذِهِ الْحُرُوفَ لِلأَفْعَالِ، كَمَا خَلُصَتْ حُرُوفُ الاِسْتِفْهَامِ لِلأَفْعَالِ نَحْوُ:"هَلاَّ"وَ"ألاَّ"». [3]
وَقَالَ الأَنْبَارِيُّ: «فَإِنْ قِيلَ: وَلِمَ كَانَ الاِخْتِيَارُ مَعَ"كَادَ"حَذْفَ"أَنْ"وَهِيَ كَـ"عَسَى"فِي الْمُقَارَبَةِ؟ قِيلَ: هُمَا، وَإِنِ اشْتَرَكَا فِي الدِّلاَلَةِ عَلَى الْمُقَارَبَةِ، إِلاَّ أَنَّ"كَادَ"أَبْلَغُ فِي تَقْرِيبِ الشَّيْءِ مِنَ الْحَالِ، وَ"عَسَى"أَذْهَبُ فِي الاِسْتِقْبَالِ، أَلاَ تَرَى أَنَّكَ لَوْ قُلْتَ:"كَادَ زَيْدٌ يَذْهَبُ بَعْدَ عَامٍ"لَمْ يَجُزْ؛ لأَنَّ"كَادَ"تُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ شَدِيدَ الْقُرْبِ مِنَ الْحَالِ، وَلَوْ قُلْتَ:"عَسَى اللهُ أَنْ يُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ"لَكَانَ جَائِزًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَدِيدَ الْقُرْبِ مِنَ الْحَالِ، فَلَمَّا كَانَتْ"كَادَ"أَبْلَغَ فِي تَقْرِيبِ الشَّيْءِ مِنَ الْحَالِ، حُذِفَ مَعَهَا"أَنْ"الَّتِي هِيَ عَلَمُ الاِسْتِقْبَالِ، وَلَمَّا كَانَتْ"عَسَى"أَذْهَبَ فِي الاِسْتِقْبَالِ أُتِيَ مَعَهَا بِـ"أَنْ"الَّتِي هِيَ عَلَمُ الاِسْتِقْبَالِ» [4] .
وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ فِي (الأَلْفِيَّةِ) [5] :
كَكَانَ كَادَ وَعَسَى لَكِنْ نَدَرْ***غَيْرُ مُضَارِعٍ لِهَذَيْنِ خَبَرْ
وَكَوْنُهُ بِدُونِ أَنْ بَعْدَ عَسَى***نَزْرٌ وَكَادَ الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا
(1) النكت 2/ 313.
(2) ينظر: الفوائد والقواعد، ص:579، وشرح المفصل 4/ 377، وترشيح العلل، ص:105، 106، والتصريح على التوضيح 1/ 284، ومعجم الأغلاط اللغوية المعاصرة، (ك ا د) ، ص:590.
(3) الكتاب 3/ 159 - 161.
(4) أسرار العربية، ص:129.
(5) ص:36، 37.