وَقَالَ ابْنُ جِنِّي: «فَإِذَا اسْتَثْنَيْتَ بِـ"إِلاَّ"مِنْ مُوجَبٍ فَانْصِبِ الْمُسْتَثْنَى عَلَى كُلِّ حَالٍ، تَقُولُ:"قَامَ الْقَوْمُ إِلاَّ زَيْدًا، وَرَأَيْتُهُمْ إِلاَّ زَيْدًا، وَمَرَرْتُ بِهِمْ إِلاَّ زَيْدًا"» [1] .
وَمِنْ شَوَاهِدِ ذَلِكَ قَوْلُهُ (: «إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِئَةً إِلاَّ وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» [2] .
وَوَجْهُ نَصْبِ الْمُسْتَثْنَى مِنْ كَلاَمٍ تَامٍّ مُوجَبٍ أَنَّهُ شَبِيهٌ «بِالْمَفْعُولِ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ يَأْتِي بَعْدَ الْكَلاَمِ التَّامِّ فَضْلَةً، وَمَوْقِعُهُ مِنَ الْجُمْلَةِ الآخِرُ، كَمَوْقِعِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّهُ مُشَبَّهٌ بِالْمَفْعُولِ، وَلَمْ نَقُلْ: إِنَّهُ مَفْعُولٌ؛ لأَنَّ الْمُسْتَثْنَى أَبَدًا بَعْضُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَالْمَفْعُولُ غَيْرُ الْفَاعِلِ، وَكَذَلِكَ قُلْنَا فِي خَبَرِ"كَانَ": إِنَّهُ مُشَبَّهٌ بِالْمَفْعُولِ، وَيُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ، أَنَّهُ يَعْمَلُ فِي الْمُسْتَثْنَى الْمَعَانِي، نَحْوُ قَوْلِكَ:"الْقَوْمُ فِي الدَّارِ إِلاَّ زَيْدًا"، وَالْمَفْعُولُ الْحَقِيقِيُّ لاَ يَعْمَلُ فِيهِ إِلاَّ لَفْظُ الْفِعْلِ، إِمَّا ظَاهِرًا، وَإِمَّا مْضْمَرًا» [3] .
فَجُمْهُورُ النُّحَاةِ لاَ يُجِيزُونَ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْ كَلاَمٍ تَامٍّ مُوجَبٍ غَيْرَ النَّصْبِ [4] ، إِلاَّ إِذَا أَمْكَنَ تَأْوِيلُ مَا قَبْلَ أَدَاةِ الاِسْتِثْنَاءِ بِالنَّفْيِ، فَيَجُوزُ -عِنْدَهُمْ- وَجْهَانِ: النَّصْبُ، وَالإِبْدَالُ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ:"قَلَّمَا رَجَلٌ يَقُولُ ذَلِكَ إِلاَّ زَيْدٌ"، بِتَأْوِيلِ:"مَا رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ إِلاَّ زَيْدٌ [5] ؛ لأَنَّ"قَلَّ، وَقَلَّمَا، وَأَقَلَّ"بِمَعْنَى النَّفْيِ [6] ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: «وَتَقُولُ:"أَقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ ذَاكَ إِلاَّ زَيْدٌ"؛ لأَنَّهُ صَارَ فِي مَعْنَى:"مَا أَحَدٌ فِيهَا إِلاَّّ زَيْدٌ"."
وَتَقُولُ:"قَلَّ رَجُلٌ يَقُولُ ذَاكَ إِلاَّ زَيْدٌ"، فَلَيْسَ"زَيْدٌ"بَدَلًا مِنَ الرَّجُلِ فِي"قَلَّ"، وَلَكِنْ"رَجُلٌ"فِي مَوْضِعِ: أَقَلُّ رَجُلٍ، وَمَعْنَاهُ كَمَعْنَاهُ. وَ"أَقَلُّ رَجُلٍ"مُبْتَدَأٌ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ، وَالْمُسْتَثْنَى بَدَلٌ مِنْهُ؛ لأَنَّكَ تُدْخِلُهُ فِي شَيْءٍ تُخْرِجُ مِنْهُ مَنْ سِوَاهُ.
(1) اللمع، ص:121.
(2) البخاري، كتاب الشروط، باب (18) ، ح (2736) 3/ 198، ومسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب (2) ، ح 6 - (2677) 4/ 2063.
(3) شرح المفصل 2/ 48.
(4) ينظر: كتاب اللامات/ للزجاجي، ص:13.
(5) ينظر: شرح التسهيل 2/ 281.
(6) ينظر: شرح الكافية 2/ 128.