-فَالأَرْجَحُ اتِّبَاعُ الْمُسْتَثْنَى لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي إِعْرَابِهِ؛ لِلْمُشَاكَلَةِ اللَّفْظِيَّةِ، بَدَلَ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، وَعَطْفَ نَسَقٍ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ.
-وَيَجُوزُ النَّصْبُ.
وَأَمَّا إِنْ تَبَاعَدَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَالْمُسْتَثْنَى تَبَاعُدًا بَيِّنًا رُجِّحَ النَّصْبُ عَلَى الْبَدَلِ؛ لأَنَّهُ مَعَ التَّرَاخِي قَدْ يَضْعُفُ التَّطَابُقُ وَالتَّشَاكُلُ، نَحْوُ:"مَا ثَبَتَ أَحَدٌ فِي الْحَرْبِ ثَبَاتًا نَفَعَ النَّاسَ إِلاَّ زَيْدًا".
وَذَهَبَ ابْنُ مَالِكٍ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَالْمُسْتَثْنَى بِكَلاَمٍ آخَرَ، لِمُتَكَلِّمٍ آخَرَ، وَاسْتَشْهَدَ بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَأَضَافَ أَنَّهُ «قَدْ يَكُونُ مِنْ هَذَا:"مَا لِعَبْدِي الْمُؤْمِنُ عِنْدِي جَزَاءٌ، إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، ثُمَّ احْتَسَبَهُ، إِلاَّ الْجَنَّةَ" [1] » [2] .
اخْتَارَ مَذْهَبَ ابْنِ مَالِكٍ فِي جَوَازِ الْفَصْلِ الزَّرْكَشِيُّ [3] ، والْعَيْنِيُّ [4] ، وَالْقَسْطَلاَّنِيُّ [5] ،وَابْنُ حَجَرٍ الَّذِي يَقُولُ: «قَوْلُهُ: (إِلاَّ الإِذْخِرَ) يَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ، أَمَّا الرَّفْعُ فَعَلَى الْبَدَلِ مِمَّا قَبْلَهُ، وَأَمَّا النَّصْبُ فَلِكَوْنِهِ اسْتِثْنَاءً وَاقِعًا بَعْدَ النَّفْيِ هُوَ اسْتِثْنَاءُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ؛ لِدُخُولِ"الإِذْخِرِ"فِي عُمُومِ مَا يُخْتَلَى.
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ.
وَعَلَى جَوَازِ الْفَصْلِ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ.
وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ اشْتِرَاطُ الاِتِّصَالِ: إِمَّا لَفْظًا، وَإِمَّا حُكْمًا؛ لِجَوَازِ الْفَصْلِ بِالتَّنَفُّسِ مَثَلًا.
وَقَدِ اشْتُهِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْجَوَازُ مُطْلَقًا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْتَجَّ لَهُ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْقِصَّةِ.
وَأَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا الاِسْتِثْنَاءَ فِي حُكْمِ الْمُتَّصِلِ؛ لاِحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ (أَرَادَ أَنْ يَقُولَ:(إِلاَّ الإِذْخِرَ) فَشَغَلَهُ الْعَبَّاسُ بِكَلاَمِهِ، فَوَصَلَ كَلاَمَهُ بِكَلاَمِ نَفْسِهِ، فَقَالَ:"إِلاَّ الإِذْخِرَ"، وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: يَجُوزُ الْفَصْلُ مَعَ إِضْمَارِ الاِسْتِثْنَاءِ مُتَّصِلًا بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ» [6] .
(1) البخاري، كتاب الرقاق، باب (6) ، ح (6060) 5/ 2361.
(2) شرح التسهيل 2/ 283.وينظر: الحديث النبوي في النحو العربي/ للدكتور محمود فجال، ص:211.
(3) ينظر: التنقيح 1/ 75.
(4) عمدة القاري 2/ 165.
(5) إرشاد الساري 1/ 307.
(6) فتح الباري 4/ 59.