فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 1015

وَزَادَ الْكُوفِيُّونَ الإِضَافَةَ الَّتِي بِمَعْنَى"عِنْدَ"، مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِ الْعَرَبِ:"نَاقَةٌ رَقُودُ الْحَلْبِِ"أَيْ: رَقَودٌ عِنْدَ الْحَلْبِ.

وَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ، فَإِضَافَتُهَا لَفْظِيَّةٌ لاَ مَعْنَوِيَّةٌ.

وَمِنَ النُّحَاةِ مَنْ يَرَى أَنَّ الإِضَافَةَ كُلَّهَا لاَ تُقَدَّرُ بِأَيِّ حَرْفٍ مِنَ الْحُرُوفِ.

ثَالِثًا: أَنَّ ابْنَ حَجَرٍ وَمَنْ تَابَعَهُ -عِنْدَ تَوْجِيهِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ- لَمْ يَذْكُرُوا وَجْهَ عَدَمِ صِحَّةِ تَقْدِيرِ أَحَدِ الأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ.

وَيَرَى الْبَحْثُ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ الإِضَافَةَ هُنَا مَعْنَوِيَّةٌ لاَ لَفْظِيَّةٌ؛ لأَنَّ"شَاةً"اسْمُ جِنْسٍ، لَيْسَ اسْمَ فَاعِلٍ، وَلاَ اسْمَ مَفْعُولٍ، وَلاَ صِفَةً مُشَبَّهَةً، حَتَّى تَصِحَّ أَنْ تَكُونَ لَفْظِيَّةً.

وَكَذَلِكَ فَإِنَّ الشَّاةَ لَيْسَتْ بَعْضًا مِنَ اللَّحْمِ، وَلاَ يَصِحُّ الإِخْبَارُ بِـ"لَحْمٍ"عَنِ الشَّاةِ، فَلاَ يُقَالُ:"هَذِهِ الشَّاةُ لَحْمٌ"؛ لِذَا لاَ يَصِحَّ تَقْدِيرُ"مِنْ".

كَمَا أَنَّ الشَّاةَ لَيْسَتْ مِلْكًا لِلَّحْمِ؛ لِذَا لاَ تَكُونُ الإِضَافَةُ هُنَا بِمَعْنَى اللاَّمِ.

وَكَمَا أَنَّ"لَحْمًا"لَيْسَ ظَرْفًا لِلشَّاةِ؛ فَلاَ يَصِحُّ تَقْدِيرُ الإِضَافَةِ بِمَعْنَى"فِي"، وَلاَ"عِنْدَ".

وَهَذِهِ هِيَ الْمَعَانِي الْمَشْهُورَةُ لِلإِضَافَةِ، وَلاَ يَصِحُّ كُلُّهَا -فِي نَظَرِهِمْ- هُنَا.

وَيَرَى الْبَحْثُ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الإِضَافَةُ فِي قَوْلِهِ: (شَاةُ لَحْمٍ) بِمَعْنَى اللاَّمِ، فِيهِ نَظَرٌ؛ لأَنَّ اللاَّمَ فِي الإِضَافَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْمِلْكِ، أَوِ الاِخْتِصَاصِ، أَوِ الاِسْتِحْقَاقِ؛ فَيَصِحُّ هُنَا أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الاِخْتِصَاصِ، وَتَقْدِيرُ الْكَلاَمِ: شَاتُكَ شَاةٌ مُخْتَصَّةٌ لِلتَّمَتُّعِ بِاللَّحْمِ، وَلَيْسَتْ لِطَلَبِ أَجْرِ الأُضْحِيَّةِ، بِقَرِينَةِ أَنَّ الْمُخَاطَبَ ظَنَّ شَاتَهُ شَاةَ أُضْحِيَّةٍ، وَبِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ الأُخْرَى الَّتِي ذَكَرَهَا النَّوَوِيُّ: (إِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمْتَهُ لأَهْلِكَ) .

وَسَبَبُ اسْتِشْكَالِ كَثِيرٍ مِنَ الشُّرَّاحِ هَذِهِ الإِضَافَةَ (شَاةُ لَحْمٍ) : أَنَّهُمْ لاَ يُثْبِتُونَ مِنْ مَعَانِي اللاَّمِ فِي الإِضَافَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ إِلاَّ الْمِلْكَ، مِنْ دُونِ ذِكْرِ الاِخْتِصَاصِ، وَهَذَا مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ السَّابِقِ، إِلاَّ النَّوَوِيَّ وَالْعَيْنِيَّ فَقَدْ وُفِّقَا لِمَعْنَى الاِخْتِصَاصِ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحَا بِهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت