وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ فَلاَ يُقَدَّرُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الإِضَافَةُ جَائِزَةٌ؛ لاِخْتِلاَفِ وَتَغَايُرِ الأَلْفَاظِ.
وَقَدْ أَخَذَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ بِمَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: «وَقَوْلُهُ: (وَسَالَ وَادِي قَنَاةَ شَهْرًا) :"قَنَاةُ": اسْمُ الْوَادِي نَفْسِهِ، وَهُوَ مِنْ أَوْدِيَةِ الْمَدِينَةِ، وَعَلَيْهِ حَرْثٌ، فَأَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ، أَوْ يَكُونَ سَمَّى الْمَكَانَ قَنَاةَ، وَقَدْ جَاءَ فِي غَيْرِ الْكِتَابِ: (وَسَالَ الْوَادِي قَنَاةٌ) عَلَى الْبَدَلِ» [1] .
وَقَالَ -أَيْضًا-: «وَقَوْلُهُ: (وَمَسْجِدُ الأَقْصَى) ، كَذَا جَاءَ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ فِي [رِوَايَةِ] عَمْرٍو النَّاقِدِ، وَهُوَ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ وَصِفَتِهِ، كَمَا قَالُوا:"مَسْجِدُ الْجَامِعِ"، وَتَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي كِتَابِ الصَّلاَةِ: (مَاءِ الْبَارِدِ) [2] » [3] .
هَذَا، وَقَدْ ذَهَبَ الأُبِّيُّ إِلَى أَنَّ الْبَصْرِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ جَمِيعًا يَمْنَعُونَ إِضَافَةَ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ فِي إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ، وَفِي هَذَا يَقُولُ: « (قَوْلُهُ فِي الآخَرِ: اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَمَاءِ الْبَارِدِ) [4] (ع) [5] : وَالإِضَافَةُ فِي (مَاءِ الْبَارِدِ) مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ، كَـ"مَسْجِدِ الْجَامِعِ".... (د) [6] : بَلْ هِيَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إِلَى الصِّفَةِ، كَـ"مَسْجِدِ الْجَامِعِ"، وَالْكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَهَا، وَالْبَصْرِيُّونَ يَمْنَعُونَهَا، وَيُؤَوِّلُونَ مَا جَاءَ مِنْهَا عَلَى حَذْفِ الْمَوْصُوفِ، أَيْ: مَسْجِدُ الْمَوْضِعِ الْجَامِعِ.
قُلْتُ: إِضَافَةُ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ يَمْنَعُهَا الْفَرِيقَانِ، وَتَجَوَّزَ الْقَاضِي فِي أَنَّهَا مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَوْصُوفِ، بِدَلِيلِ مَا مَثَّلَ بِهِ» [7] .
(1) إكمال المعلم 3/ 322.
(2) مسلم، كتاب الصلاة، باب (40) ح 202 - (476) 1/ 346.
(3) إكمال المعلم 4/ 517.
وعمرو بن الناقد هو: أبو عثمان، عمرو بن محمد، البغدادي، سمع ابن عيينة وغيره، توفي سنة اثنتين وثلاثين ومئتين (232 هـ) . ينظر: مولد العلماء ووفياتهم 2/ 512، وتذكرة الحفاظ 2/ 445.
(4) البخاري، كتاب الصلاة، باب (40) ، ح (204) 1/ 346، بلفظ: «والماء البارد» .
(5) ينظر: إكمال المعلم 2/ 392.
(6) شرح صحيح مسلم/ للنووي 4/ 193.
(7) إكمال الإكمال 2/ 204، 309، 310.