وَقَالَ أَبُو حَيَّانٍ: «وَالْمُضَافُ إِلَيْهِ يُتَنَزَّلُ مِنَ الْمُضَافِ مَنْزِلَةَ التَّنْوِينِ، وَهُوَ مِنْ تَمَامِهِ، فَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَنْ لاَ يَجُوزَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا إِلاَّ عَلَى سَبِيلِ الضَّرُورَةِ ... » [1] .
وَيَشْتَرِطُ الْبَصْرِيُّونَ فِي الْفَصْلِ بَيْنَ الْمُتَضَايِفَيْنِ لِلضَّرُورَةِ: أَنْ يَكُونَ الْفَاصِلُ ظَرْفًا، أَوْ جَارًّا وَمَجْرُورًا. [2]
وَمِنَ الْفَصْلِ بِالْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
كَأََنَّ أَصْوَاتَ مِنْ إِيغَالِهِنَّ بِنَا *** أَوَاخِرِ الْمَيْسِ أَصْوَاتُ الْفَرَارِيجِ [3]
فَصَلَ بَيْنَ الْمُضَافِ"أَصْوَاتَ"وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ"أَوَاخِرِ"بِالْجَارِّ وَالْمَجْرُورَ"مِنْ إِيغَالِهِنَّ بِنَا"، وَالتَّقْدِيرُ: كَأَنَّ أَصْوَاتَ أَوَاخِرِ الْمَيْسِ -مِنْ شِدَّةِ سَيْرِ الإِبِلِ بِنَا وَاضْطِرَابِ رِحَالِهَا عَلَيْهَا- أَصْوَاتُ الْفَرَارِيجِ. [4]
وَمِنَ الْفَصْلِ بِالظَّرْفِ ضَرُورَةً قَوْلُ أَبِي حَيَّةَ النُّمَيْرِيِّ:
كَمَا خُطَّ الْكِتَابُ بِكَفِّ يَوْمًا*** يَهُودِيٍّ يُقَارِبُ أَوْ يُزِيلُ [5]
فَصَلَ بَيْنَ الْمُضَافِ"كَفِّ"وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ"يَهُودِيٍّ"، بِالظَّرْفِ"يَوْمًا"، وَالتَّقْدِيرُ: بِكَفِّ يَهُودِيٍّ يَوْمًا. [6]
(1) ارتشاف الضرب 4/ 1842.
(2) ينظر: تحصيل عين الذهب، ص:140، والإنصاف 1/ 382، والضرائر اللغوية في الشعر الجاهلي، ص:377.
(3) البيت من البسيط، وهو في: ديوان ذي الرمة 2/ 996، برواية"أنقاض"بدلا من"أصوات"، وشرح أبيات سيبويه/ لابن السيرافي 1/ 66، والخصائص 2/ 404، والإنصاف 1/ 386، وشرح الكافية 2/ 289 برواية الديوان، وبلا نسبة في: المقتضب 4/ 376، وشرح جمل الزجاجي/ لابن خروف 1/ 453، 2/ 652، وشرح الكتاب/ للصفار 2/ 574.
الإيغال: شدة السير. والميس: شجر تتخذ منه الرحال والأقتاب. الفراريج: جمع فرّوج، وهو الصغير من الدجاج. ينظر: تحصيل عين الذهب، ص:144.
(4) ينظر: شرح أبيات سيبويه/ للنحاس، ص:50، وتحصيل عين الذهب، ص:144.
(5) البيت من الوافر، لأبي حية النميري، وهو في: ديوانه، ص:163، والكتاب 1/ 179، والإنصاف 1/ 386، وشرح الكتاب/ للصفار 2/ 576، وبلا نسبة في: المقتضب 4/ 377، وشرح جمل الزجاجي/ لابن خروف 1/ 453، 2/ 652. ومعنى"يزيل": يفرِّق ما بينها ويباعد. ومعنى البيت: أن رسوم الدار شبيهة بالكتاب في دقَّتها والاستدلال بها، وأن كتابته بعضُها متقاربٌ وبعضها مفترق ومتباين؛ لاقتضاء آثار الدار تلك الصفة والحال. ينظر: تحصيل عين الذهب، ص:143.
وأبو حية النميري هو: الهيثم بن الربيع، وكان يروي عن الفرزدق، وكان كذابًا!!. ينظر: الشعر والشعراء 2/ 774.
(6) ينظر: شرح أبيات سيبويه/ للنحاس، ص:50، وتحصيل عين الذهب، ص:142.