فهرس الكتاب

الصفحة 253 من 1015

وَمَا جَاءَ خِلاَفَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْبَصْرِيِّينَ يُؤَوِّلُونَهُ، مَعَ حُكْمِهِمْ عَلَيْهِ بِالْقُبْحِ وَالضَّعْفِ، قَالَ ابْنُ جِنِّي: «وَالْفَصْلُ بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ بِالظَّرْفِ وَحَرْفِ الْجَرِّ قَبِيحٌ كَثِيرٌ، لَكِنَّهُ مِنْ ضَرُورَةِ الشِّعْرِ» [1] .

وَقَالَ الرَّضِيُّ: «وَأَنْكَرَ أَكْثَرُ النُّحَاةِ الْفَصْلَ بِالْمَفْعُولِ وَغَيْرِهِ فِي السَّعَةِ، وَلاَ شَكَّ أَنَّ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا فِي الضَّرُورَةِ بِالظُّرُوفِ ثَابِتٌ، مَعَ قِلَّتِهِ وَقُبْحِهِ، وَالْفَصْلُ بِغَيْرِ الظَّرْفِ فِي الشِّعْرِ أَقْبَحُ مِنْهُ بِالظَّرْفِ، وَكَذَا الْفَصْلُ بِالظَّرْفِ فِي غَيْرِ الشِّعْرِ أَقْبَحُ مِنْهُ فِي الشِّعْرِ، وَهُوَ عِنْدَ يُونُسَ [2] قِيَاسٌ، كَمَا مَرَّ فِي بَابِ"لاَ"التَّبْرِئَةِ، وَالْفَصْلُ بِغَيْرِ الظَّرْفِ فِي غَيْرِ الشِّعْرِ أَقْبَحُ مِنَ الْكُلِّ، مَفْعُولًا كَانَ الْفَاصِلُ، أَوْ يَمِينًا، أَوْ غَيْرَهُمَا» [3] .

وَقَدْ دَفَعَ بَعْضَ الْبَصْرِيِّينَ وَمَنْ تَابَعَهُمْ تَمَسُّكُهُمْ بِمَذْهَبِهِمْ هَذَا إِلَى تَخْطِئَةِ قِرَاءَةِ ابْنِ عَامِرٍ [4] -وَهِيَ قِرَاءَةٌ سَبْعِيَّةٌ مُتَوَاتِرَةٌ-: {وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلاَدَهُمْ شُرَكَائِهِمْ ... } [5] بِبِنَاءِ الْفِعْلِ (زُيِّنَ) لِلْمَجْهُولِ، وَضَمِّ اللاَّمِ مِنْ (قَتْلُ) ، وَفَتْحِ الدَّالِ مِنْ (أَوْلاَدَهُمْ) ، وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ مِنْ (شُرَكَائِهِمْ) ، عَلَى أَنَّ (قَتْلُ) نَائِبُ فَاعِلٍ مَرْفُوعٍ لِلْفِعْلِ (زُيِّنَ) ، وَ (أَوْلاَدَ) مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَالْعَامِلُ فِيهِ الْمَصْدَرُ (قَتْلُ) ، وَ (شُرَكَائِهِمْ) مَجْرُورٌ بِإِضَافَةِ الْمَصْدَرِ (قَتْلُ) إِلَيْهِ، مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى فَاعِلِهِ. [6]

وَوَجْهُ رَدِّ الْبَصْرِيِّينَ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مِنَ النَّاحِيَةِ النَّحْوِيَّةِ: أَنَّ فِيهَا فَصْلًا بَيْنَ الْمُضَافِ (قَتْلُ) وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ (شُرَكَائِهِمْ) بِالْمَفْعُولِ (أَوْلاَدَ) ، وَهَذَا مِمَّا لاَ يَجُوزُ -عِنْدَهُمْ- فِي الشِّعْرِ وَلاَ

(1) الخصائص 2/ 404.

(2) يونس هو: ابن حبيب، أبو عبد الرحمن، الضبي، البصري، سمع من العرب، ثم كانت له حلقة بالبصرة ينتابها أهل العلم، وفصحاء الأعراب، روى عنه سيبويه، والكسائي، والفراء، توفي سنة (182ھ) ، ولم يتزوج ولم يتسرّ، كان همه طلب العلم. ينظر: أخبار النحويين البصريين، ص:27، وإشارة التعيين، ص:396، ومراتب النحويين، ص:44، وبغية الوعاة 2/ 365.

(3) شرح الكافية 2/ 291.

(4) ابن عامر هو: عبد الله بن عامر بن يزيد، اليحصبي الدمشقي، أخذ عن أبي الدرداء، وغيره، وروى عنه محمد بن الوليد الزبيدي، وغيره، وهو أحد القراء السبعة، تولى القضاء بدمشق، وكان إمام المسجد فيها، وبها توفي سنة (118 هـ) . ينظر: معرفة القراء الكبار 1/ 82، وغاية النهاية 1/ 423.

(5) سورة الأنعام، من الآية:137.

(6) ينظر: إعراب القراءات السبع وعللها/ لابن خالويه 1/ 171، والبحر المحيط 4/ 657، وشرح جمل الزجاجي/ لابن خروف 2/ 653، وترشيح العلل، ص:240.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت