وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ عَلَى *** ضَمِيرِ خَفْضٍ لاَزِمًا قَدْ جُعِلاَ
وَلَيْسَ عِنْدِي لاَزِمًا إِذْ قَدْ أَتَى *** فِي النَّثْرِ وَالنَّظْمِ الصَّحِيحِ مُثْبَتَا
هَذَا، وَقَدْ رَدَّ الأَنْبَارِيُّ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ رَدًّا عَامًّا بِأَنَّهُ «لَوْ حُمِلَ مَا أَنْشَدُوهُ مِنَ الأَبْيَاتِ عَلَى مَا ادَّعُوهُ لَكَانَ مِنَ الشَّاذِّ الَّذِي لاَ يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ» [1] .
وَفِي مَسْأَلَةِ الْعَطْفِ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةِ الْجَارِّ مَذْهَبٌ ثَالِثٌ، نُسِبَ إِلَى الْجَرْمِيِّ وَالْفَرَّاءِ [2] ، وَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ بِشَرْطِ أَنْ يَسْبِقَهُ التَّأْكِيدُ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلِ الْمَرْفُوعِ، نَحْوُ:"مَرَرْتُ بِكَ أَنْتَ وَزَيْدٍ"؛ وَذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى الْعَطْفِ عَلَى الضَّمِيرِ الْمُتَّصِلِ الْمَرْفُوعِ. [3]
وَهَذَا الْمَذْهَبُ يَدْخُلُ فِي مَا أَنْكَرَهُ سِيبَوَيْهِ، حِينَ قَالَ: «كَرِهُوا أَنْ يَشْرَكَ الْمُظْهَرُ مُضْمَرًا دَاخِلًا فِيمَا قَبْلَهُ؛ لأَنَّ هَذِهِ الْعَلاَمَةَ الدَّاخِلَةَ فِيمَا قَبْلَهَا جَمَعَتْ أَنَّهَا لاَ يُتَكَلَّمُ بِهَا إِلاَّ مُعْتَمِدَةً عَلَى مَا قَبْلَهَا، وَأَنَّهَا بَدَلٌ مِنَ اللَّفْظِ بِالتَّنْوِينِ، فَصَارَتْ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ التَّنْوِينِ، فَلَمَّا ضَعُفَتْ عِنْدَهُمْ كَرِهُوا أَنْ يُتْبِعُوهَا الاِسْمَ، وَلَمْ يَجُزْ -أَيْضًا- أَنْ يُتْبِعُوهَا إِيَّاهُ، وَإِنْ وَصَفُوا، لاَ يَحْسُنُ لَكَ أَنْ تَقُولَ:"مَرَرْتُ بِكَ أَنْتَ وَزَيْدٍ"، كَمَا جَازَ فِيمَا أَضْمَرْتَ فِي الْفِعْلِ، نَحْوِ:"قُمْتَ أَنْتَ وَزَيْدٌ"؛ لأَنَّ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أُنْزِلَ مَنْزِلَةَ آخِرِ الْفِعْلِ، فَلَيْسَ مِنَ الْفِعْلِ، وَلاَ مِنْ تَمَامِهِ، وَهُمَا حَرْفَانِ، يَسْتَغْنِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ، كَالْمُبْتَدَإِ وَالْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ، وَهَذَا يَكُونُ مِنْ تَمَامِ الاِسْمِ، وَهُوَ بَدَلٌ مِنَ الزِّيَادَةِ الَّتِي فيِ الاِسْمِ، وَحَالُ الاِسْمِ، إِذَا أُضِيفَ إِلَيْهِ، مِثْلُ حَالِِهِ مُنْفَرِدًا، لاَ يَسْتَغْنِي بِهِ ... » [4] .
وَقَدْ رَدَّ الرَّضِيُّ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ الثَّالِثِ بِأَنَّهُ «لَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ تَأْكِيدَ الْمَجْرُورِ بِالَْمَرْفُوعِ خِلاَفُ الْقِيَاسِ، وَإِعَادَةُ الْجَارِّ أَقْرَبُ وَأَخَفُّ» [5] .
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ «إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَالْيَهُودِ» خَالَفَهُ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْبَصْرِيِّينَ، وَالْجَرْمِيِّ، وَالزِّيَادِيِّ، وَوَافَقَهُ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ وَاخْتِيَارُ ابْنِ مَالِكٍ [6] ، قَالَ ابْنُ
(1) الإنصاف 2/ 12.
(2) ينظر: شرح الكافية 2/ 360، والمساعد 2/ 470، وتأثير الكوفيين في نحاة الأندلس، ص:692.
(3) ينظر: شرح الكافية 2/ 360.
(4) الكتاب 2/ 381.
(5) ينظر: شرح الكافية 2/ 360.
(6) ينظر: التنقيح 2/ 507.