وَمِنْ تَحْذِيرِ الْمُتَكَلِّمِ نَفْسَهُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ عُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ (: «لِتُذَكِّ لَكُمُ الأَصَلُ وَالرِّمَاحُ وَالسِّهَامُ، وَإِيَّايَ أَنْ يَحْذِفَ أَحَدُكُمُ الأَرْنَبَ» [1] ؛ فَقَوْلُهُ"وَإِيَّايَ"تَحْذِيرٌ لِلْمُتَكَلِّمِ.
اخْتَلَفَ النُّحَاةُ فِي تَقْدِيرِ التَّحْذِيرِ الْوَارِدِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ:
1 -ذَهَبَ جُمْهُورُ النُّحَاةِ إِلَى أَنَّ الأَصْلَ: «إِيَّايَ بَاعِدُوا عَنْ حَذْفِ الأَرْنَبِ، وَبَاعِدُوا أَنْفُسَكُمْ عَنْ أَنْ يَحْذِفَ أَحَدُكُمُ الأَرْنَبَ.
ثُمَّ حُذِفَ مِنَ الأَوَّلِ الْمَحْذُورُ، وَهُوَ"حَذْفُ الأَرْنَبِ"، وَحُذِفَ مِنَ الثَّانِي الْمُحَذَّرُ، وَهُوَ"بَاعِدُوا أَنْفُسَكُمْ"» [2] .
ضَعَّفَ الصَّبَّانُ هَذَا الْقَوْلَ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْحَذْفِ مِنَ الأَوَّلِ؛ لِدِلاَلَةِ الثَّانِي، وَهُوَ قَلِيلٌ. [3]
2 -يَرَى سِيبَوَيْهِ -فِي مِثْلِ هَذَا- أَنَّهُ تَحَذُّرٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ لِلْمُخَاطَبِ، لاَ تَحْذِيرًا لِنَفْسِهِ، وَفِي هَذَا يَقُولُ: «وَمِنْ ذَلِكَ -أَيْضًا- قَوْلُكَ:"إِيَّاكَ وَالأَسَدَ، وَإِيَّايَ وَالشَّرَّ"، كَأَنَّهُ قَالَ: إِيَّاكَ فَاتَّقِيَنَّ وَالأَسَدَ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: إِيَّايَ لأَتَّقِيَنَّ وَالشَّرَّ، فَـ"إِيَّاكَ"مُتَّقًى، وَ"الأَسَدَ وَالشَرَّ"مُتَّقَيَانِ، فَكِلاَهُمَا مَفْعُولٌ، وَمَفْعُولٌ مَعَهُ.
وَمِثْلُهُ:"إِيَّايَ وَأَنْ يَحْذِفَ أَحَدُكُمُ الأَرْنَبَ".
وَمِثْلُهُ:"إِيَّاكَ، إِيَّاهُ، وَإِيَّايَ، وَإِيَّاهُ"، كَأَنَّهُ قَالَ: إِيَّاكَ بَاعِدْ، وَإِيَّاهُ، أَوْ نَحِّ.
وَزَعَمَ أَنَّ بَعْضَهُمْ يُقَالُ لَهُ:"إِيَّاكَ"، فَيَقُولُ:"إِيَّايَ"، كَأَنَّهُ قَالَ: إِيَّايَ أَحْفَظُ وَأَحْذَرُ» [4] .
وَقَالَ الأَعْلَمُ الشَّنْتَمَرِيُّ: «وَأَمَّا"إِيَّايَ وَالشَّرَّ"فَلَيْسَ يُخَاطِبُ نَفْسَهُ وَلاَ يَزِرُهَا، وَإِنَّمَا يُخَاطِبُ رَجُلًا يَقُولُ:"إِيَّايَ مِنَ الشَّرِّ"، فَيَنْصِبُ"إِيَّايَ"بِـ"بَاعِدْ"وَمَا أَشْبَهَهُ، وَيَحْذِفُ حَرْفَ الْجَرِّ مِنَ الشَّرِّ، وَيُوقِعُ الْفِعْلَ الْمُقَدَّرَ عَلَيْهِ، فَيَعْطِفُهُ عَلَى الأَوَّلِ.
(1) هكذا ورد في كتب النحو، ولفظه في: الطبقات الكبرى/ لابن سعد 3/ 324: «هَاجِرُوا، وَلاَ تَهْجُرُوا، وَاتَّقُوا الأَرْنَبَ أَنْ يَحْذِفَهَا أَحَدُكُمْ بِالْعَصَا، أَوْ يُرْسِلَهَا بِالْحَجَرِ، ثُمَّ يَقُولُ بِأَكْلِهَا، وَلَكِنْ لِيُذَكِّ لَكُمُ الأَسَلُ وَالرِّمَاحُ وَالنَّبْلُ» ، ولفظه في: غريب الحديث لأبي عبيد 2/ 60، وسنن البيهقي الكبرى، برقم (18724) 9/ 248: «هَاجِرُوا، وَلاَ تَهْجُرُوا، وَاتَّقُوا الأَرْنَبَ أَنْ يَحْذِفَهَا أَحَدُكُمْ بِالْعَصَا، وَلَكِنْ لِيُذَكِّ لَكُمُ الأَسَلُ وَالرِّمَاحُ وَالنَّبْلُ» ، ولا شاهد فيه.
(2) التصريح على التوضيح 2/ 275. وينظر: عقود الزبرجد 2/ 267، وشرح الأشموني 3/ 191.
(3) تنظر: حاشية الصبان مع الأشموني 3/ 191.
(4) الكتاب 1/ 273، 274.