وَمِثْلُهُ:"إِيَّايَ وَأَنْ يَحْذِفَ أَحَدُكُمُ الأَرْنَبَ"يَعْنِي: يَرْمِيهِ بِسَهْمٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ حُذِّرُوا أَنْ يَأْتُوا فِعْلَهُمْ إِلَى الْمُتَكَلِّمِ النَّاهِي لَهُمْ» [1] .
وَقَالَ الرَّضِيُّ: «وَسِيبَوَيْهِ يُقَدِّرُ نَحْوَ:"إِيَّايَ وَالشَّرَّ"بِنَحْوِ:"لأُحَذِّرْ"وَنَحْوِهِ، فَيَكُونُ عَلَى هَذَا تَحَذُّرًا لاَ تَحْذِيرًا، قَالَ الْخَلِيلُ: بَعْضُهُمْ يُقَالُ لَهُ:"إِيَّاكَ"فَيَقُولُ:"إِيَّايَ"، إِذَا قَبِلَ مِنْكَ وَاسْتَجَابَ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: أُحَذِّرُ نَفْسِي وَأَحْفَظُ.
وَغَيْرُ سِيبَوَيْهِ يُقَدِّرُ فِي نَحْوِ:"إِيَّايَ وَالشَّرَّ": حَذِّرْ، خِطَابًا، كَمَا فِي"إِيَّاكَ".
وَقَوْلُ سِيبَوَيْهِ أَوْلَى؛ لِيَكُونَ الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ شَيْئًا وَاحِدًا، كَمَا فِي:"إِيَّاكَ وَالشَّرَّ"» [2] .
3 -وَقَالَ السِّيرَافِيُّ: الْكَلاَمُ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، حُذِفَ مِنْهَا شَيْئَانِ فَقَطْ، وَأَصْلُهُ: بَاعِدُونِي وَحَذْفَ الأَرْنَبِ. [3]
رَدَّ الأَزْهَرِيُّ الْقَوْلَيْنِ الأَخِيرَيْنِ؛ لِمَا فِيهِمَا مِنْ كَثْرَةِ الْحَذْفِ وَالتَّكْرَارِ؛ وَأنَّ مُبَاعَدَةَ الْمُخَاطَبِينَ مُبَاعَدَةٌ لِحَذْفِ الأَرْنَبِ عَنْ عُمَرَ (؛ لأَنَّ"بَاعِدُونِي"لَيْسَ أَمْرًا بِالْمُبَاعَدَةِ الْمُطْلَقَةِ، بَلِ الْمُبَاعَدَةُ عَنْ شَيْءٍ خَاصٍّ، وَكَذَا مُبَاعَدَةُ حَذْفِ الأَرْنَبِ إِنَّمَا هِيَ عَنْهُ. [4]
4 -وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ «إِيَّايَ وَحَذْفَ الأَرْنَبِ، وَإِيَّاكُمْ أَنْ يَحْذِفَ أَحَدُكُمُ الأَرْنَبَ» [5] فَحَذَفَ مِنْ كُلِّ جُمْلَةٍ مِنَ الْجُمْلَتَيْنِ مَا أَثَبَتَ نَظِيرَهُ فِي الأُخْرَى؛ [6] ، فَلَيْسَ الْكَلاَمُ -فِي نَظَرِهِ- جُمْلَةً وَاحِدَةً؛ «إِذْ لاَ يَصِحُّ: لأُبَاعَدْ حَذْفَ أَحَدِكُمُ الأَرْنَبَ؛ إِذْ لاَ يُبَاعِدُ الإِنْسَانُ فِعْلَ غَيْرِهِ، بِخِلاَفِ:"إِيَّايَ وَالشَّرَّ"، فَهُوَ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ» [7] .
قَالَ ابْنُ يَعِيشَ: «وَقَالَ الزَّجَّاجُ: إِنَّ مَعْنَاهُ: إِيَّايَ وَإِيَّاكُمْ، وَدَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ:"وَأَنْ يَحْذِفَ أَحَدُكُمُ الأَرْنَبَ"، وَلَوْ حَذَفَ الْوَاوَ هُنَا لَجَازَ مَعَ"أَنْ"، فَيُقَالُ:"أَنْ يَحْذِفَ أَحَدُكُمُ الأَرْنَبَ"، وَلَوْ صَرَّحَ بِالْمَصْدَرِ، لَمْ يَجُزْ حَذْفُ الْوَاوِ، وَلاَ"مِنْ"، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ"أَنْ"وَمَا بَعْدَهَا مِنَ
(1) النكت 1/ 465، 466. وينظر: شرح المفصل 1/ 391.
(2) شرح الكافية 2/ 4، 5.
(3) ينظر: المساعد 2/ 569، والتصريح على التوضيح 2/ 275، 276.
(4) ينظر: التصريح على التوضيح 2/ 276.
(5) المساعد 2/ 569.
(6) ينظر: التصريح على التوضيح 2/ 275، وحاشية الصبان مع الأشموني 3/ 191.
(7) المساعد 2/ 569، 570.