الْفِعْلِ، وَمَا يَعْمَلُ فِيهِ، مَصْدَرٌ، فَلَمَّا طَالَ جَوَّزُوا فِيهِ مِنَ الْحَذْفِ مَا لَمْ يَجُزْ فِي الْمَصْدَرِ الصَّرِيحِ، فَاعْرِفْهُ» [1] .
رَدَّ الصَّبَّانُ عَلَى الزَّجَّاجِ بِأَنَّ الْحَذْفَ مِنَ الأَوَّلِ لِدِلاَلَةِ الثَّانِي ضَعِيفٌ، وَ «بِأَنَّ فِيهِ ادِّعَاءَ حَذْفِ"إِيَّاكُمْ"، وَحَذْفُهَا لاَ يَلِيقُ؛ لِمَا اسْتَقَرَّ لَهَا فِي هَذَا الْبَابِ، مِنْ أَنَّهَا بَدَلٌ مِنَ اللَّفْظِ بِالْفِعْلِ» [2] .
5 -وَيَرَى الرَّضِيُّ -مَعَ تَرْجِيحِهِ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ- أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ «يَحْتَمِلُ أَمْرَ الْمُتَكَلِّمِ، أَيْ: لأُبْعِدْ نَفْسِي عَنْ مُشَاهَدَةِ حَذْفِ الأَرْنَبِ، وَأَمْرَ الْمُخَاطَبِ، أَيْ: بَعِّدُونِي عَنْ مُشَاهَدَةِ حَذْفِهِ» [3] .
وِمِمَّا شَذَّ -أَيْضًا- فِي تَحْذِيرِ الْمُتَكَلِّمِ نَفْسَهُ، قَوْلُ عُمَرَ (: « ... وَإيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ وَنَعَمَ ابْنِ عَفَّانَ» ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: «وَفِي(إِيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ) شَاهِدٌ عَلَى تَحْذِيرِ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَأْمُرَ نَفْسَهُ» [4] .
وَقَالَ الدَّمَامِينِيُّ: « (وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ) نَهَاهُ عَنْ إِدْخَالِ الأَغْنِيَاءِ، وَفِيهِ تَحْذِيرُ الْمُتَكَلِّمِ نَفْسَهُ، وَهُوَ قَلِيلٌ، كَأَمْرِ الْمُتَكَلِّمِ نَفْسَهُ» [5] .
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «قَوْلُهُ: (وَإِيَّايَ) فِيهِ تَحْذِيرُ الْمُتَكَلِّمِ نَفْسَهُ، وَهُوَ شَاذٌّ عِنْدَ النُّحَاةِ، كَذَا قِيلَ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الشُّذُوذَ فِي لَفْظِهِ، وَإِلاَّ فَالْمُرَادُ فِي التَّحْقِيقِ إِنَّمَا هُوَ تَحْذِيرُ الْمُخَاطَبِ، وَكَأَنَّهُ بِتَحْذِيرِ نَفْسِهِ حَذَّرَهُ بِطَرِيقِ الأَوْلَى، فَيَكُونُ أَبْلَغَ، وَنَحْوُهُ:"نَهَى الْمَرْءُ نَفْسَهُ"، وَمُرَادُهُ: نَهَى مَنْ يُخَاطِبُهُ» [6] .
وَقَدْ خُرِّجَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى غَيْرِ التَّحْذِيرِ، قَالَ الْوَقَّشِيُّ: «وَقَوْلُهُ: (وَإيَّايَ) أَيْ: جَنِّبْنِي نَعَمَ ابْنِ عَفَّانَ"، أَيْ: جَنِّبْنِي إِدْخَالَهَا فِي الْحِمَى، فَلَمَّا حَذَفَ الْفِعْلَ أَتَى بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلِ» [7] أَيْ: إِنَّ"إِيَّايَ"مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ."
(1) شرح المفصل 1/ 391.
(2) حاشية الصبان مع الأشموني 3/ 192.
(3) شرح الكافية 2/ 5.
(4) شواهد التوضيح، ص:159.
(5) مصابيح الجامع الصحيح (تعليقة على البخاري) ، لوحة:888.
(6) فتح الباري 6/ 204. وينظر: عمدة القاري 14/ 305، وإرشاد الساري 6/ 535.
(7) التعليق على الموطأ 2/ 404.