وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: «قَوْلُهُ: (وَإِيَّايَ) ، فَإِنْ قُلْتَ: الْقِيَاسُ أَنْ يَقُولَ:"وَإِيَّاكَ". قُلْتُ: جَعَلَ نَفْسَهُ مَأْمُورًا بِالاِتِّقَاءِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لأَتَّقِي نَفْسِي مِنْ نَعَمِ ابْنِ عَوْفٍ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ اتِّقَاؤُهُمْ بِالأَوْلَوِيَّةِ.
وَيُحْتَمَلُ أَلاَّ يَكُونَ مِنْ بَابِ التَّحْذِيرِ، وَيَكُونُ عَطْفًا عَلَى (دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ) » [1] .
وَمِمَّا شَذَّ فِي التَّحْذِيرِ: تَحْذِيرُ الْغَائِبِ، كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
فَلاَ تَصْحَبْ أَخَا الْجَهْلِ *** وَإِيَّاكَ وَإِيَّاهُ [2]
أَيْ: إِيَّاكَ بَاعِدْ مِنْهُ، وَإِيَّاهُ بَاعِدْ مِنْكَ، أَوْ بَاعِدْهُ. [3]
وَيَرى الرَّضِيُّ أَنَّ التَّحْذِيرَ الْمُكَرَّرَ -كَمَا فِي الْبَيْتِ السَّابِقِ- لَيْسَ مِنَ الشَّاذِّ، بَلْ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي نَظَرِهِ. [4]
وَمِمَّا شَاعَ فِي كُتُبِ النَّحْوِ مِنْ تَحْذِيرِ الْغَائِبِ مَا جَاءَ فِي (كِتَابِ سِيبَوْيَهِ) [5] : «وَحَدَّثَنِي مَنْ لاَ أَتَّهِمُ عَنِ الْخَلِيلِ أَنَّهُ سَمِعَ أَعْرَابِيًّا يَقُولُ:"إِذَا بَلَغَ الرَّجُلُ السِّتِّينَ فَإِيَّاهُ وَإِيَّا الشَّوَّابِّ" [6] » .
وَقَدْ حَكَمُوا عَلَيْهِ بِالشُّذُوذِ مِنْ وَجْهَيْنِ [7] ، وَقِيلَ: مِنْ ثَلاَثَةٍ [8] ، هِيَ:
الْوَجْهُ الأَوَّلُ: مَجِيءُ التَّحْذِيرِ فِيهِ لِلْغَائِبِ. [9]
الْوَجْهُ الثَّانِي: إِضَافَةُ"إِيَّا"إِلَى الظَّاهِرِ وَهُوَ"الشَّوَابُّ" [10] بَعْدَ إِقَامَتِهِ مُقَامَ"أَنْفُسَ"، وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ «لأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِلإِضَافَةِ إِلَى الأَسْمَاءِ الظَّاهِرَةِ اتِّفَاقًا، وَإِلَى الْمُضْمَرَاتِ عَلَى الأَصَحِّ، إِنَّمَا هُوَ الْمُظْهَرُ لاَ الْمُضْمَرُ؛ لأَنَّ الإِضَافَةَ إِمَّا لِلتَّعْرِيفِ، وَإِمَّا لِلتَّخْصِيصِ، وَالضَّمِيرُ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ أَعْرَفُ الْمَعَارِفِ» [11] .
(1) الكواكب الدراري 13/ 56.
(2) البيت من الهزج، وهو بلا نسبة في: المساعد 2/ 571، وحاشية الصبان مع الأشموني 3/ 192.
(3) ينظر: المساعد 2/ 571.
(4) ينظر: شرح الكافية 2/ 5.
(5) الكتاب 1/ 279.
(6) وينظر هذا القول -أيضا- في: شرح الكافية الشافية 3/ 1378، وشرح ابن الناظم، ص:608، وشرح الكافية 2/ 4، واللمحة 2/ 533، وشرح شذور الذهب/ للجوجري 2/ 420.
(7) ينظر: شرح الكافية 2/ 4، وشرح الأشموني 3/ 192.
(8) ينظر: حاشية الصبان مع شرح الأشموني 3/ 192.
(9) ينظر: شرح الأشموني 3/ 192.
(10) ينظر: شرح الكافية 2/ 4، وشرح الأشموني 3/ 192
(11) التصريح على التوضيح 2/ 277.