وَهُوَ مَذْهَبُ الأَخْفَشِ [1] فِيمَا سَمِعْتُ.
وَقَدْ رُوِيَ بِكَسْرِ اللاَّمِ وَجَزْمِ الْيَاءِ، عَلَى أَنَّهُ أَمَرَ نَفْسَهُ، كَمَا يُقَالُ:"لأَقُمْ، وَلأَقْعُدْ".
وَقَدْ رُوِيَ بِفَتْحِ اللاَّمِ وَإِثْبَاتِ الْيَاءِ سَاكِنَةً، وَهِيَ أَشَدُّهَا؛ لأَنَّ اللاَّمَ تَكُونُ جَوَابَ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وَ-حِينَئِذٍ- يَلْزَمُهَا النُّونُ فِي الأَعْرَفِ» [2] .
وَقَالَ الْوَقَّشِيُّ: «قَوْلُهُ: (قُومُوا فَلأُصَلِّ لَكُمْ) يَرْوِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: (فَلأُصَلِّي) بِالْيَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْتَحُ الْيَاءَ، وَيَتَوَهَّمُ أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى مَعْنَى:"كَيْ"، وَلَوْ أَرَادَ مَعْنَى:"كَيْ"لَمْ يَجُزْ دُخُولُ الْفَاءِ هَهُنَا، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَفْتَحُ اللاَّمَ، وَيُسَكِّنُ الْيَاءَ، يَتَوَهَّمُهُ قَسَمًا، وَذَلِكَ غَلَطٌ؛ لأَنَّهُ لاَ وَجْهَ لِلْقَسَمِ هَهُنَا، وَلَو كَانَ قَسَمًا لَقَالَ:"فَلأُصَلِّيَنَّ"، بِالنُّونِ.
وَإِنَّمَا الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ:"فَلأُصَلِّ"بِكَسْرِ اللاَّمِ، عَلَى مَعْنَى الأَمْرِ، وَالأَمْرُ إِذَا كَانَ لِلْمُتكَلِّمِ، وَالْغَائِبِ كَانَ بِاللاَّم أَبَدًا، وَإِذَا كَانَ لِلْمُخَاطَبِ كَانَ بِاللاَّمِ وَبِغَيْرِ اللاَّمِ.
وَيَجُوزُ عِنْدِي أَنْ يَنْتَصِبَ عَلَى مَعْنَى"كَيْ"، وَلاَ يَصِحُّ ذَلِكَ عَلَى أَنْ تُجْعَلَ اللاَّمُ مُتَعَلِّقَةً بِـ"قُومُوا"؛ لأَنَّ دُخُولَ الْفَاءِ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ:"جِئْتُ فَلأُكْرِمَكَ"، وَلَكِنَّ تَعَلُّقَهَا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، دَلَّ عَلَيْهِ مَا فِي الْكَلاَمِ، كَأَنَّهُ قَالَ: قُومُوا فَلأُصَلِّيَ لَكُمْ، آمُرُكُمْ بِالْقِيَامِ، فَيَكُونُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {? ? ?} [3] .... » [4] .
-أَنْ يُخَرَّجَ الْحَدِيثُ بَوَجْهٍ يَجْعَلُهُ غَيْرَ صَالِحٍ لِلاسْتِشْهَادِ بِهِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ، قَالَ الْوَقَّشِيُّ -عَنْ حَدِيثِ «فَلاَ يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، وَلاَ يُؤْذِينَا بِرِيحِ الثُّومِ» : «وَذَكَرَ قَوْلَهُ: (يُؤْذِينَا بِرِيحِ الثُّومِ) ، فَقَالَ: كَذَا الرِّوَايَةُ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَلاَ يَجُوزُ فِي مِثْلِ هَذَا الْجَزْمُ عَلَى جَوَابِ النَّهْيِ، فِي قَوْلِ سِيبَوَيْهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُمْ:"لاَ تَدْنُ مِنَ الأَسَدِ يَأْكُلُكَ"، وَكَانَ الْكِسَائِيُّ يُجِيزُ فِي هَذَا كُلِّهِ الْجَزْمَ، وَهُوَ غَلَطٌ؛ لأَنَّهُ يَصِيرُ تَبَاعُدُهُ عَنِ الأَسَدِ سَبَبًا لأَكْلِ الأَسَدِ إِيَّاهُ، وَكَذَلِكَ يَصِيرُ
(1) ينظر: معاني القرآن 1/ 124.
(2) المفهم 2/ 288. وينظر: التنقيح 1/ 231.
(3) سورة البقرة، من الآية:260.
(4) التعليق على الموطأ 1/ 191.