-وَقَالَ قَوْمٌ: قَدْ شَبَّهُوا الْحَرَكَةَ بِالْحَرْفِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فَجَازَ أَنْ يُشَبِّهُوا هَهُنَا الْحَرْفَ بِالْحَرَكَةِ؛ فَيُسْقِطُوهُ، كَمَا يُسْقِطُونَ الْحَرَكَةَ.
-وَقَالَ غَيْرُ هَذَا: لَمَّا لَمْ يَظْهَرِ الضَّمَّةُ فِي (الْيَاءِ وَالْوَاوِ) هُنَا صَارَتِ الْيَاءُ، وَالْوَاوُ كَأَنَّهُمَا عَاقَبَتَا الْحَرَكَةَ، فَأَسْقَطُوهُمَا، كَمَا يُسْقِطُونَ الْحَرَكَةَ لَوْ ظَهَرَتْ، وَلَيْسَ هَذَا بِجَزْمٍ صَحِيحٍ، وَإِنَّمَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَى الْجَزْمِ، وَالْيَاءُ وَالْوَاوُ مِنْ نَفْسِ الْكَلِمَةِ، وَإِسْقَاطُ بَعْضِ الْكَلِمَةِ لاَ يَكُونُ إِعْرَابًا لَهَا؛ لأَنَّ الإِعْرَابَ إِنَّمَا هُوَ حَرَكَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْكَلِمَةِ، وَنُقْصَانُ حَرَكَةٍ زَائِدَةٍ مِنَ الْكَلِمَةِ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِإِعْرَابٍ صَحِيحٍ أَنَّ الشَّاعِرَ، إِنِ اضْطُرَّ إِلَى إِبْقَاءِ الْيَاءِ وَالْوَاوِ مَعَ الْجَازِمِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ، حَتَّى يَقُولَ:"لَمْ يَرْمِيْ، وَلَمْ يَغْزُوْ"، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُبْقِي الْحَرَكَةَ فِي الْحَرْفِ الصَّحِيحِ مَعَ وُجُودِ الْجَازِمِ، فِي نَحْوِ:"لَمْ يَضْرِبْ"، فَلَوْ قَالَ:"لَمْ يَضْرِبُ"لَمْ يَجُزْ، وَكَانَ لَحْنًا؛ لأَنَّهُ إِعْرَابٌ صَحِيحٌ، فَلاَ بُدَّ أَنْ يُسْقِطَ الْجَازِمَ» [1] .
-وَقَالَ الأَنْبَارِيُّ فِي سَبَبِ حَذْفِ هَذِهِ الأَحْرُفِ: «وَإِنَّمَا حَذَفُوا هَذِهِ الْحُرُوفَ فِي الْجَزْمِ؛ لأَنَّهَا أَشْبَهَتِ الْحَرَكَاتِ [2] ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْحَرَكَاتِ، عَلَى قَوْلِ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ، وَالْحَرَكَاتُ مَأْخُوذَةٌ مِنْهَا عَلَى قَوْلِ آخَرِينَ، وَعَلَى كِلاَ الْقَوْلَيْنِ فَقَدْ حَصَلَتِ الْمُشَابَهَةُ بَيْنَهُمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ هَهُنَا لاَ تَقُومُ بِهَا الْحَرَكَاتُ، كَمَا أَنَّ الْحَرَكَاتِ كَذَلِكَ، وَكَمَا أَنَّهَا تُحْذَفُ لِلْجَزْمِ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْحُرُوفُ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ابْنِ السَّرَّاجِ أَنَّهُ شَبَّهَ الْجَازِمَ بِالدَّوَاءِ، وَالْحَرَكَةَ فِي الْفِعْلِ بِالْفَضْلَةِ الَّتِي يُخْرِجُهَا الدَّوَاءُ، وَكَمَا أَنَّ الدَّوَاءَ إِذَا صَادَفَ فَضْلَةً حَذَفَهَا، وَإِنْ لَمْ يُصَادِفْ فَضْلَةً أَخَذَ مِنْ نَفْسِ الْجِسْمِ، فَكَذَلِكَ الْجَازِمُ إِذَا دَخَلَ عَلَى الْفِعْلِ، إِنْ وَجَدَ حَرَكَةً أَخَذَهَا، وَإِلاَّ أَخَذَ مِنْ نَفْسِ الْفِعْلِ، وَسَهُلَ حَذْفُهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَصْلِيَّةً؛ لِسُكُونِهَا؛ لأَنَّهَا بِالسُّكُونِ تَضْعُفُ، فَتَصِيرُ فِي حُكْمِ الْحَرَكَةِ، فَكَمَا الْحَرَكَةُ تُحْذَفُ فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْحُرُوفُ» [3] .
وَتَظْهَرَ ثَمَرَةُ هَذَا الْخِلاَفِ فِي: هَلْ يَجُوزُ لِلشَّاعِرِ وَغَيْرِهِ أَنْ يُبْقِيَ حَرْفَ الْعِلَّةِ مَعَ وُجُودِ جَازِمٍ؟
فَمَنْ أَخَذَ بِمَذْهَبِ سِيبَوْيَهِ أَجَازَ لَهُ ذَلِكَ؛ إِجْرَاءً لِلْمُعْتَلِّ مُجْرَى الصَّحِيحِ؛ لأَنَّ الْجَازِمَ -عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ- لاَ يَحْذِفُ حَرْفَ الْعِلَّةِ، وَإِنَّمَا يَحْذِفُ الْحَرَكَةَ -عَلَى الأَصْلِ- ظَاهِرَةً أَوْ مُقَدَّرَةً، وَقَدْ حَصَلَ.
(1) الفوائد والقواعد، ص:508.
(2) ينظر: حاشية الصبان مع الأشموني 1/ 102.
(3) أسرار العربية، ص:322، 323.