-وَإِعْطَاءِ"إِنْ"الشَّرْطِيَّةِ حُكْمَ"لَوْ"فِي الإِهْمَالِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ «إِنْ لاَ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» .
وَكَإِجْرَاءِ الْمُعْتَلِّ الآخِرِ مُجْرَى الصَّحِيحِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ: «فَلاَ يَغْشَانَا» وَأَمْثَالِهِ.
ج- الإِشْبَاعُ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ: «فَلاَ يُؤْذِي» وَأَمْثَالِهِ.
د- أَنَّهُ لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ، الَّذِينَ يُحَرِّكُونَ آخِرَ الْمُضَارِعِ الْمَرْفُوعِ، الْمُعْتَلِّ الآخِرِ، بِحَرَكَةٍ ظَاهِرَةٍ، فَيَقُولُونَ -مَثَلًا-:"يَأْتِيُ، وَيَغْزُوُ"، فَهَؤُلاَءِ -فِي حَالَةِ الْجَزْمِ- يَكْتَفُونَ بِحَذْفِ الْحَرَكَةِ، فَيَقُولُونَ:"لَمْ يَأْتِي، وَلَمْ يَغْزُو".
هـ- تَوْجِيهَاتٌ خَاصٌّةٌ، كَالْقَوْلِ بِأَنَّ الْفِعْلَ فِي: (إِنْ لاَ تَرَاهُ) ، وَ (مَتَى يَرَاكَ) ، وَ (تَرَى) مُضَارِعٌ لِـ"رَاءَ"بِمَعْنَى:"رَأَى"، وَأَصْلُهُ:"يَرَاءُ"، ثُمَّ جُزِمَ، فَصَارَ:"يَرَأْ"، ثُمَّ أُبْدِلَتْ هَمْزَتُهُ أَلِفًا، فَثَبَتَ فِي الْجَزْمِ، كَمَا تَثْبُتُ الْهَمْزَةُ الَّتِي هِيَ بَدَلٌ مِنْهَا.
رَابِعًا: أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ ثُبُوتَ حَرْفِ الْعِلَّةِ مَعَ وُجُودِ جَازِمٍ لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ تَرَدَّدَ فِي كُتُبِ النَّحْوِ، وَلَمْ يَنْسِبْهَا أَحَدٌ لِقَبِيلَةٍ مُعَيَّنَةٍ إِلاَّ الْفَرَّاءَ، فَإِنَّ لَهُ تَلْمِيحًا إِلَى بَعْضِ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِهَا، وَهُمْ بَنُو عَبْسٍ، وَذَلِكَ عِنْدَ تَوْجِيهِهِ قِرَاءَةَ حَمْزَةَ: {لاَ تَخَفْ دَرَكًا وَلاَ تَخْشَى} [1] ، فَقَالَ: «فَإِذَا قُلْتَ: فَكَيَفَ أُثْبِتَتِ الْيَاءُ فِي (تَخْشَى) ؟ قُلْتَ: فِي ذَلِكَ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ:
-إِنْ شِئْتَ اسْتَأْنَفْتَ: {وَلاَ تَخْشَى} بَعْدَ الْجَزْمِ.
-وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ"تَخْشَى"فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ، وَإِنْ كَانَتْ فِيهَا الْيَاءُ؛ لأَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، قَالَ بَعْضُ بَنِي عَبْسٍ:
أَلَمْ يَأْتِيكَ -والأنباءُ تَنْمِي- *** بِمَا لاَقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَادِ [2]
فَأُثْبِتَتِ الْيَاءُ فِي"يَأْتِيكَ"، وَهِيَ فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ؛ لأَنَّهُ رَآهَا سَاكِنَةً، فَتَرَكَهَا عَلَى سُكُونِهَا، كَمَا تَفْعَلُ بِسَائِرِ الْحُرُوفِ ...
-وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْيَاءُ صِلَةً لِفَتْحَةِ الشِّينِ ... » [3] .
وَقَدْ شَذَّ الصَّفَّارُ [4] فَأَنْكَرَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ لُغَةً.
(1) سورة طه، من الآية: 77.
والقراءة في: الحجة في القراءات السبع/ لابن خالويه، ص:245، والسبعة، ص:421، والمبسوط، ص:249، والإقناع، ص:428، والنشر 2/ 321، وكتاب تحبير التيسير، ص:461.
وتنسب -أيضا- للأعمش. ينظر: الاتحاف، ص:386.
(2) سبق تخريجه، ص:312 من البحث.
(3) معاني القرآن 1/ 161، 162. وينظر منه: 2/ 187.
(4) ينظر: شرح الكتاب/ للصفار 1/ 356، والخزانة 8/ 361.
والصّفّار هو: أبو القاسم، قاسم بن علي بن محمد بن سليمان، الأنصاري، البطليوسي، المعروف بالصّفّار، صحَب الشلوبين وابن عصفور، وله شرح على كتاب سيبويه، توفي سنة ثلاثين وست مئة (630 هـ) . ينظر: إشارة التعيين، ص:266، والبلغة، رقم (273) ص:142، وبغية الوعاة 2/ 256.