وَمَا عَدَا صِيغَةَ الْمُخَاطَبِ مِنَ الأَفْعَالِ الْمَأْمُورِ بِهَا فَإِنَّهَا تَكُونُ بِلاَمِ الأَمْرِ فِي أَوَّلِهَا دُونَ حَذْفٍ لِحَرْفِ الْمُضَارَعَةِ؛ لِئَلاَّ يُلْبِسَ، وَلِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَذْفِ [1] ، قَالَ الْمُبَرِّدُ: «فَاللاَّمُ فِي الأَمْرِ لِلْغَائِبِ، وَلِكُلِّ مَنْ كَانَ غَيْرَ الْمُخَاطَبِ، نَحْوِ قَوْلِ الْقَائِلِ:"قُمْ وَلأَقُمْ مَعَكَ"، فَاللاَّمُ جَازِمَةٌ لِفِعْلِ الْمُتَكَلِّمِ» [2] .
وَمِنْ شَوَاهِدَ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ الرَّسُولِ (: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُتْ» [3] .
وَتَجِبُ لاَمُ الأَمْرِ كَذَلِكَ فِي كُلِّ «مَا لَيْسَ لِلْفَاعِلِ، وَهُوَ فِعْلُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، إِذَا أَمَرْتَ بِهِ، .... نَحْوِ:"لِتُعْنَ بِحَاجَتِي"وَ"لِتُوضَعْ فِي تِجَارَتِكَ"، وَ"لِتُزْهَ عَلَيْنَا يَا رَجُلُ".
فَهَذَا النَّوْعُ لاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ اللاَّمِ، وَإِنْ كَانَ لِمُخَاطَبٍ حَاضِرٍ؛ لأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ قَدْ لَحِقَهُ التَّغْيِيرُ بِحَذْفِ فَاعِلِهِ، وَتَغْيِيرُ بِنْيَتِهِ، فَلَمْ تُحْذَفْ مِنْهُ اللاَّمُ -أَيْضًا- وَحَرْفُ الْمُضَارَعَةِ؛ لِئَلاَّ يَكُونَ إِجْحَافًا بِهِ، وَإِذَا لَمْ يَجُزِ الْحَذْفُ مَعَ الْمُخَاطَبِ، فَأَنْ لاَ يَجُوزَ مَعَ الْغَائِبِ أَوْلَى؛ فَلِذَلِكَ تَقُولُ:"لِتُضْرَبْ يَا زَيْدُ"، وَ"لِيُضْرَبْ هُوَ".
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الأَمْرُ لِغَائِبٍ أَوْ مُتَكَلِّمٍ، لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ اللاَّمِ، نَحْوُ:"لِيَقُمْ"، ... وَ"لأَقُمْ"... وَذَلِكَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ حَرْفَ الْمُضَارَعَةِ يَلْزَمُ هُنَا لِلدِّلاَلَةِ عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْهُ، وَإِذَا لَزِمَ حَرْفُ الْمُضَارَعَةِ وَجَبَ الإِتْيَانُ بِلاَمِ الأَمْرِ؛ لإِفَادَةِ مَعْنَى الأَمْرِ، وَكَانَ الْمَحَلُّ قَابِلًا مِنْ حَيْثُ كَانَ مُعْرَبًا لِمَا فِيهِ مِنْ حُرُوفِ الْمُضَارَعَةِ» [4] .
قَالَ ابْنُ دُرُسْتُوَيْهِِ: «وَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَإِذَا أَمَرْتَ مِنْ هَذَا الْبَابِ كُلِّهِ كَانَ بِاللاَّمِ، كَقَوْلِكَ:"لِتُعْنَ بِحَاجَتِي") فَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّكَ إِنَّمَا تَأْمُرُ غَائِبًا بِالْعِنَايَةِ، وَلَسْتَ تَأْمُرَ الْمُخَاطَبَ، فَتَسْتَغْنِي بِخِطَابِهِ وَمُوَاجَهَتِهِ عَنْ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ وَحَرْفِ الأَمْرِ، كَمَا تَسْتَغْنِي فِي الْمُوَاجَهَةِ وَالْمَأْمُورِ عَنْ ذَلِكَ.
(1) ينظر: شرح المفصل 4/ 291.
(2) المقتضب 2/ 44.
(3) البخاري، كتاب الأدب، باب (31) ، ح (6018) 8/ 11، ومسلم، كتاب الإيمان، باب (19) ، ح 74 - (47) 1/ 68.
(4) شرح المفصل 4/ 291. وينظر: شرح التسهيل 4/ 59، وشرح المقدمة الجزولية الكبير 2/ 492.