فهرس الكتاب

الصفحة 349 من 1015

وَإِنَّمَا تَأْمُرُ الْفَاعِلَ الَّذِي لَمْ تُسَمِّهِ، فَهُوَ غَائِبٌ، وَالْغَائِبُ غَيْرُ مُوَاجَهٍ وَلاَ مُخَاطَبٍ، فَلاَ يَسْتَغْنِي عَنْ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ الدَّالِّ عَلَيْهِ، وَعَنْ حَرْفِ الأَمْرِ الْمُفَرِّقِ بَيْنَ الأَمْرِ وَالْخَبَرِ، كَقَوْلِكَ فِي الأَمْرِ لِلْمُوَاجَهِ:"اذْهَبْ، وَاقْعُدْ"، وَلِلْغَائِبِ:"لِيَذْهَبْ، وَلْيَقْعُدْ"، فَلَمَّا كَانَ الْمُخَاطَبُ فِي هَذَا الْبَابِ مَفْعُولًا، وَفَاعِلُهُ غَيْرُ مُوَاجَهٍ بِالأَمْرِ، وَلاَ مَذْكُورٍ مَعَ الْفِعْلِ، جُعِلَ فِي فِعْلِهِ حَرْفُ الأَمْرِ، وَقَدْ يُؤْتَى بِهَذَا اللاَّمِ فِي أَمْرِ الْمُوَاجَهِ أَيْضًا؛ لأَنَّ فَاعِلَهُ مُسَمًّى مَعَهُ، وَهُوَ الأَصْلُ، كَمَا يُؤْتَى بِـ"لاَ"فِي النَّهْيِ، كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا} [1] ؛ لأَنَّ التَّاءَ حَرْفُ الْخِطَابِ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى الْفَاعِلِ الْمُضْمَرِ فِي الْفِعْلِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللهِ ( ... » [2] .

فَالْوَاجِبُ أَوِ الْغَالِبُ فِي فِعْلِ الأَمْرِ لِلْمُخَاطَبِ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ لاَمِ الأَمْرِ، قَالَ ابْنُ خَرُوفٍ: «وَأَمْرُ الْمُخَاطَبِ بِاللاَّمِ قَلِيلٌ، وَبَابُهُ الْغَائِبُ، وَالأَمْرُ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ؛ لأَنَّهُ أَمْرٌ لِغَائِبٍ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ، نَحْوُ:"لأَقُمْ"وَ"لأَخْرُجْ"» [3] .

وَمِنَ ذَاكَ الْقَلِيلِ: قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: {فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا} ، قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: « ... قُرِئَ (فَلْتَفْرَحُوا) ، وَهُوَ ضَعِيفٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ؛ لأَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَسْتَعْمِلِ الأَمْرَ بِاللاَّمِ لِلْحَاضِرِ، إِلاَّ فِيمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، كَقَوْلِهِمْ:"لِتُعْنَ بِحَاجَتِي"» [4] .

وَكَذَا قَوْلُهُ (: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ» ، قَالَ النَّوَوِيُّ: «وَأَمَّا قَوْلُهُ (:(لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ) فَهَذِهِ اللاَّمُ لاَمُ الأَمْرِ، وَمَعْنَاهُ: خُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، وَهَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ مُسْلِمٍ، وَتَقْدِيرُهُ: هَذِهِ الأُمُورُ الَّتِي أُتِيتُ بِهَا فِي حَجَّتِي: مِنَ الأَقْوَالِ، وَالأَفْعَالِ، وَالْهَيْئَاتِ، هِيَ أُمُورُ

(1) سورة يونس، من الآية: 58.

والقراءة لـ: عثمان وأنس وأبَيّ، وابن عامر، وأبي جعفر، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي، وغيرهم، وهي في: مختصر في شواذ القرآن من كتاب البديع/ لابن خالويه، ص:57، والمبسوط، ص:200، والمحتسب 1/ 433، والنشر 2/ 285، وكتاب تحبير التيسير، ص:400، والاتحاف، ص:315، 316، وبلا نسبة في: الحجة/ لابن خالويه، ص:182.

وقال عنها الأخفش: «وقال بعضهم: {فَلْتَفْرَحُوا} ، وهي لغة للعرب رديئة؛ لأن هذه اللام إنما تدخل في الموضع الذي لا يقدر فيه على"افْعَلْ"، يقولون:"لِيَقُلْ زَيْدٌ"؛ لأنك لا تقدر على"افْعَلْ"، ولا تدخل اللام إذا كلمت الرجل، فقلت:"قُلْ"، ولم تحتج إلى اللام» معاني القرآن 2/ 345.

(2) تصحيح الفصيح، ص:96. وينظر: شرح المقدمة الجزولية الكبير 2/ 493، 494.

(3) شرح جمل الزجاجي/ لابن خروف 2/ 859.

(4) الحجة في القراءات السبع، ص:182.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت