إِلَى أَكْثَرِ الْجَمْعَيْنِ الْمُسْتَعْمَلِ مِنْهُ الْقَلِيلُ عَلَى الأَصْلِ، نَحْوُ:"خَمْسَةُ كِلاَبٍ"، فَلَمَّا اسْتَجَازُوا هَذَا، عَلَى ضَعْفِهِ، كَانَ فِيمَا لَمْ يُسْتَعْمَلْ لَهُ قَلِيلٌ عَلَى الأَصْلِ جَيِّدًا قَوِيًّا، وَهُوَ قَوْلُهُمْ:"ثَلاَثَةُ قُرُوءٍ"وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ» [1] .
وَقَالَ ابْنُ يَعِيشَ: «وَلَعَلَّ"الْقُرُوءَ"كَانَتْ أَكْثَرَ اسْتِعْمَالًا فِي جَمْعِ"الْقُرْء"مِنَ"الأَقْرَاءِ"، فَأُوثِرَ عَلَيْهِ، كَأَنَّهُمْ نَزَّلُوا مَا قَلَّ اسْتِعْمَالُهُ مَنْزِلَةَ الْمُهْمَلِ، فَيَكُونُ مِثْلَ"شُسُوعٍ"» [2] .
وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: «وَقَدْ يُؤْثَرُ مِثَالُ كَثْرَةٍ عَلَى مِثَالِ قِلَّةٍ؛ لِخُرُوجِهِ عَنِ الْقِيَاسِ، أَوْ لِقِلَّةِ اسِتِعْمَالِهِ، فَالأَوَّلُ نَحْوُ: { (( (( (( (( (( (( (( (( (} ، وَالثَّانِي نَحْوُ:"ثَلاَثَةُ شُسُوعٍ"، فَأُوثِرَ"قُرُوءٌ"عَلَى"أَقْرَاءٍ"؛ لأَنَّ وَاحِدَهُ"قَرْءٌ"كَـ"فَلْسٍ"، وَجَمْعُ مِثْلِهِ عَلَى"أَفْعَالٍ"شَاذٌّ، وَأُوثِرَ"شُسُوعٌ"عَلَى"أَشْسَاعٍ"؛ لِقِلَّةِ اسْتِعْمَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَاذًّا؛ لأَنَّ وَاحِدَهُ"شِسْعٌ"، وَجَمْعُ مِثْلِهِ عَلَى"أَفْعَالٍ"مُطَّرِدٌ، لَكِنَّ أَكْثَرَ الْعَرَبِ يَسْتَغْنُونَ فِي جَمْعِ"شِسْعٍ"بِـ"فُعُولٍ"عَنْ غَيْرِهِ .... » [3] .
وَمِنَ الْمُخَالَفَةِ -أَيْضًا-: مَجِيءُ تَمْيِيزِ الثَّلاَثَةِ وَالْعَشْرَةِ وَمَا بَيْنَهُمَا اسْمَ جَمْعٍ:
-ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْغَالِبَ أَنْ يُفْصَلَ بَيْنَ الْعَدَدِ وَالتَّمْيِيزِ بِـ"مِنْ"، إِذَا كَانَ التَّمْيِيزُ اسْمَ جَمْعٍ، أَوِ اسْمَ جِنْسٍ، فَيُقَالُ -مَثَلًا-:"ثَلاَثَةٌ مِنَ الْخَيْلِ"، وَ"خَمْسَةٌ مِنَ التَّمْرِ". [4]
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ إِضَافَةَ الْعَدَدِ إِلَى اسْمِ الْجَمْعِ أَوِ اسْمِ الْجِنْسِ تَمْيِيزًا لَهُ -فِي نَظَرِ الْجُمْهُورِ- عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَيُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى الْمَسْمُوعِ لِقِلَّتِهِ، قَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ [5] : تَرَكُوا الْقِيَاسَ فِي الْجَمْعِ، فَقَالُوا:"خَمْسُ ذَوْدٍ"لِخَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ، وَ"ثَلاَثُ ذَوْدٍ"لِثَلاَثٍ مِنَ الإِبِلِ، وَ"أَرْبَعُ ذَوْدٍ وَعَشْرُ ذَوْدٍ"عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، كَمَا قَالُوا:"ثَلاَثُ مِئَةٍ وَأَرْبَعُ مِئَةٍ، وَالْقِيَاسُ:"مِئِينَ وَمِئَاتٌ"، وَلاَ يَكَادُوا يَقُولُونَهُ. [6] "
-وَقِيلَ: تَجُوزُ الإِضَافَةُ عَلَى قِلَّتِهَا. [7]
(1) الانتصار لسيبويه على المبرد، ص:245. وينظر: ترشيح العلل، ص:243.
(2) شرح المفصل 4/ 15.
(3) شرح التسهيل 2/ 396، 397.
(4) ينظر: ظاهرة الشذوذ في النحو العربي، ص:180، 181.
(5) أبو حاتم السجستاني هو: سهل بن محمد، من كبار علماء اللغة والشعر، من أشهر تلاميذه المبرد، ومن مصنفاته:"المعمرين"، و"ما تلحن فيه العامة"، توفي سنة (248 هـ) ، وقيل: (255 هـ) . ينظر: أخبار النحويين البصريين، ص:70، وإنباه الرواة 2/ 58، وإشارة التعيين، ص:137، 138.
(6) ينظر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 7/ 55، والمفهم 3/ 9.
(7) ينظر: التصريح على التوضيح 2/ 454.