فهرس الكتاب

الصفحة 427 من 1015

ضَرُورَةٌ، وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: أَقْبَلَتْ رَوَاجِعًا، فَيَكُونُ"أَقْبَلَتْ"الْخَبَرَ، وَ"رَوَاجِعًا"-أَيْضًا حَالٌ» [1] ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: «فَهَذَا كَقَوْلِهِ:"أَلاَ مَاءً بَارِدًا"، كَأَنَّهُ قَالَ: أَلاَ مَاءً لَنَا بَارِدًا، وَكَأَنَّهُ قَالَ: يَا لَيْتَ لَنَا أَيَّامَ الصِّبَا، وَكَأَنَّهُ قَالَ: يَا لَيْتَ أَيَّامَ الصِّبَا أَقْبَلَتْ رَوَاجِعًا» [2] ، وَلاَ يُقَدَّرُ هُنَا"كَانَ"؛ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ"إِنْ"وَ"لَوْ"الشَّرْطِيَتَيْنِ. [3]

رَدَّ الرَّضِيُّ هَذَا التَّأْوِيلَ قَائِلًا: « ... وَالْكِسَائِيُّ يُقَدِّرُ"كَانَ"، أَيْ: يَا لَيْتَ أَيَّامَ الصِّبَا كَانَتْ رَوَاجِعُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لأَنَّ"كَانَ"وَ"يَكُونُ"لاَ يُضْمَرَانِ إِلاَّ فِيمَا اشْتُهِرَ اسْتِعْمَالُهُمَا فِيهِ، فَتَكُونُ الشُّهْرَةُ دَلِيلًا عَلَيْهِمَا، كَمَا فِي قَوْلِهِمْ:"إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ"» [4] .

اتَّبَعَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَالْمُعْرِبِينَ مَذْهَبَ الْبَصْرِيِّينَ فِي تَأْوِيلِ مَا وَرَدَ مِنْ نَصْبِ الْجُزْءَيْنِ بَعْدَ"إِنَّ وَأَخَوَاتِهَا"، قَالَ النَّوَوِيُّ: «قَوْلُهُ: (وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعُونَ خَرِيفًا) هَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ الأُصُولِ: (لَسَبْعُونَ) بِالْوَاوِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: إِنَّ مَسَافَةَ قَعْرِ جَهَنَّمَ سَيْرُ سَبْعِينَ سَنَةً.

وَوَقَعَ فِي مُعْظَمِ الأُصُولِ وَالرِّوَايَاتِ: (لَسَبْعِينَ) بِالْيَاءِ، وَهُوَ صَحِيحٌ -أَيْضًا-:

-إِمَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَحْذِفُ الْمُضَافَ، وَيُبْقِي الْمُضَافَ إِلَيْهِ عَلَى جَرِّهِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: سَيْرُ سَبْعِينَ.

-وَإِمَّا عَلَى أَنَّ"قَعْرَ جَهَنَّمَ"مَصْدَرٌ، قَالَ: قَعَرْتُ الشَّيْءَ: إِذَا بَلَغْتُ قَعْرَهُ، وَيَكُونُ"سَبْعِينَ"ظَرْفَ زَمَانٍ، وَفِيهِ خَبَرٌ، أَنَّ التَّقْدِيرَ: أَنَّ بُلُوغَ قَعْرِ جَهَنَّمَ لَكَائِنٌ فِي سَبْعِينَ خَرِيفًا، وَالْخَرِيفُ: السَّنَةُ، وَاللهُ أَعْلَمُ» [5] .

وَقَدْ رَدَّ الْقُرْطُبِيُّ هَذِهِ التَّوْجِيهَاتِ، فَقَالَ: «وَالأَجْوَدُ رَفْعُ"لَسَبْعُونَ"عَلَى الْخَبَرِ، وَبَعْضُهُمُ يَرْوِيهِ:"لَسَبْعِينَ"، يَتَأَوَّلُ فِيهِ الظَّرْفَ، وَفِيهِ بُعْدٌ» [6] ، لَعَلَّ وَجْهَ الْبُعْدِ -فِي نَظَرِ الْبَحْثِ- أَنَّهُ لاَ يُخْبَرُ بِظَرْفِ زَمَانٍ عَنْ جُثَّةٍ.

وَذَكَرُوا أَنَّ لِلْحَدِيثِ الآخَرِ: «يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا» رِوَايَةً أُخْرَى هِيَ:"جَذَعٌ"بِالرَّفْعِ [7] ، وَلاَ إِشْكَالَ فِيهَا؛ لِذَا رَجَّحَهَا الْعُكْبَرِيُّ قَائِلًا: « ... (يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا) كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ،

(1) شرح المفصل 1/ 261. وينظر: تحصيل عين الذهب، ص:284، وشرح الكافية 4/ 349.

(2) الكتاب 2/ 142.

(3) ينظر: المغني 1/ 468.

(4) شرح الكافية 4/ 349.

(5) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 3/ 68، 69.

(6) المفهم 1/ 440.

(7) ينظر: إكمال المعلم 1/ 489، والمفهم 1/ 380، وإكمال الإكمال 1/ 294، وفتح الباري 1/ 26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت