وَالْوَجْهُ"جَذَعٌ"؛ لأَنَّهُ خَبَرُ"لَيْتَ"، وَيَضْعُفُ أَنْ يَكُونَ"فِيهَا"الْخَبَرَ؛ لِقِلَّةِ فَائِدَتِهِ، وَهَكَذَا هُوَ فِي الشِّعْرِ:
يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعْ *** أَخُبُّ فِيهَا وَأَضَعْ [1] » [2] .
وَلَكِنَّ رِوَايَةَ النَّصْبِ هِيَ الْمَشْهُورَةُ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) ، قَالَ النَّوَوِيُّ: « وَأَمَّا قَوْلُهُ: (جَذَعًا) فَهَكَذَا هُوَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) وَغَيْرِهِمَا بِالنَّصْبِ، قَالَ الْقَاضِي [3] : وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاهَانَ: (جَذَعٌ) بِالرَّفْعِ، وَكَذَلِكَ هُوَ فِي رِوَايَةِ الأَصِيلِيِّ فِي الْبُخَارِيِّ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ ظَاهِرَةٌ» [4] .
وَقَالَ الْقَسْطَلاَّنِيُّ: « .... وَلِلأَصِيلِيِّ وَأَبِي ذَرٍّ عَنِ الْحَمَوِيِّ: (جَذَعٌ) بِالرَّفْعِ خَبَرُ"لَيْتَ"وَ-حِينَئِذٍ- فَالْجَارُّ يَتَعَلَّقُ بِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْفِعْلِ، كَأَنَّهُ قَالَ: يَا لَيْتَنِي شَابٌّ فِيهَا، وَالرِّوَايَةُ الأُولَى أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ ... » [5] .
وَأَمَّا رِوَايَةُ النَّصْبِ: (يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا) فَقَدْ وُجِّهَتْ بِعِدَّةِ أَوْجُهٍ [6] :
1 -أَنَّ"جَذَعًا"حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَكِنِّ فِي خَبَرِ"لَيْتَ"، وَخَبَرُ"لَيْتَ"قَوْلُهُ:"فِيهَا"، وَالْعَامِلُ فِي الْحَالِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْخَبَرُ مِنْ مَعْنَى الاِسْتِقْرَارِ، وَتَكُونُ الْفَائِدَةُ مِنَ الْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ: لَيْتَنِي كَائِنٌ فِيهَا حَالَ الشَّبَبَةِ وَالْقُوَّةِ؛ لأَنْصُرَكَ. [7]
اخْتَارَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا الْوَجْهَ، فَقَالَ: « ... وَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ انْتَصَبَ (جَذَعًا) عَلَى الْحَالِ، وَالتَّقْدِيرُ: يَا لَيْتَنِي فِي حِينَ نُبُوَّتِهِ فِي حَالِ الشَّبَابِ» [8] .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: «وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ الْقَاضِي هُوَ الصَّحِيحُ، الَّذِي اخْتَارَهُ أَهْلُ التَّحْقِيقِ وَالْمَعْرِفَةِ مِنْ شُيُوخِنَا وَغَيْرُهُمْ، مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ» [9] .
(1) البيتان من الرجز، ولم أقف عليهما في المصادر.
(2) إتحاف الحثيث، ص:268، 269.
(3) ينظر: إكمال المعلم 1/ 489.
(4) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 2/ 378.
وابن ماهان هو: أبو الحسن، علي بن خشرم بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان، المروزي توفي بعد سنة خمسين ومئتين (250 هـ) . ينظر: رجال صحيح مسلم/ لابن منجويه، رقم (1133) 2/ 54.
(5) إرشاد الساري 1/ 92. وينظر: عمدة القاري 1/ 58.
(6) التنقيح 1/ 15.
(7) ينظر: إكمال المعلم 1/ 488، واتحاف الحثيث، ص:268، 269، والمفهم 1/ 380، وفتح الباري 1/ 26، وعمدة القاري 1/ 58، و 24/ 130، وإرشاد الساري 1/ 92، و 14/ 414.
(8) إكمال المعلم 1/ 488. وينظر: إكمال الإكمال 1/ 294.
(9) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 2/ 378.