أَيْ:"صَفَرٌ"مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ؛ للتَّأْنِيثِ اكْتِفَاءً بِأَحَدِ جُزْأَيِ الْعِلَّةِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: « ... لَكِنْ فِي (الْمُحْكَمِ) : كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ لاَ يَصْرِفُهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ لاَ يَمْتَنِعُ الصَّرْفُ حَتَّى يَجْتَمِعَ عِلَّتَانِ، فَمَا هُمَا؟ قَالَ: الْمَعْرِفَةُ وَالسَّاعَةُ. وَفَسَّرَهُ الْمُطَرَّزِيُّ [1] بَأَنَّ مُرَادَهُ بِالسَّاعَةِ: أَنَّ الأَزْمِنَةَ سَاعَاتٌ، وَالسَّاعَةُ مُؤَنَّثَةٌ» [2] .
-وَكَذَا الْتَمَسَ ابْنُ مَالِكٍ لِلْحَدِيثِ: (وَمَنْعَ وَهَاتِ) وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ، غَيْرَ حَمْلِهِ عَلَى لُغَةِ رَبِيعَةَ الشَّاذَّةِ، فَقَالَ: «وَحَذْفُهَا هُنَا بِسَبَبٍ آخَرَ، لاَ يَخْتَصُّ بِلُغَةٍ:
-وَهُوَ أَنَّ تَنْوِينَ"مَنْعًا"أُبْدِلَ وَاوًا، وَأُدْغِمَ فِي الْوَاوِ، فَصَارَ اللَّفْظُ بِعَيْنٍ تَلِيهَا وَاوٌ مُشَدَّدَةٌ، كَاللَّفْظِ"يُعَوِّلُ"وَشِبْهِهِ، فَجُعِلَتْ صُورَتُهُ فِي الْخَطِّ مُطَابِقَةً لِلَفْظِهِ، كَمَا فُعِلَ بِكَلِمٍ كَثِيرَةٍ فِي الْمُصْحَفِ.
-وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الأَصْلُ: وَمَنْعَ حَقٍّ وَهَاتِ، فَحُذِفَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ، وَبَقِيَتْ هَيْئَةُ الإِضَافَةِ» [3] .
-وَكَذَا فَعَلَ -أَيْضًا- بِالْحَدِيثِ الآخَرِ: (قُلْتُ: أَرْبَعْ) حِينَ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا، فَيَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ بِالسُّكُونِ، وَفِي هَذَا يَقُولُ: « ... الأَكْثَرُ فِي جَوَابِ الاِسْتِفْهَامِ بِأَسْمَائِهِ، مُطَابَقَةُ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَقَدْ يُكْتَفَى بِالْمَعْنَى فِي الْكَلاَمِ الْفَصِيحِ ....
فَعَلَى مَا قَرَّرْتُهُ: النَّصْبُ وَالرَّفْعُ فِي"أَرْبَعْ"بَعْدَ السُّؤَالِ عَنِ الاِعْتِمَارِ جَائِزَانِ، إِلاَّ أَنَّ النَّصْبَ أَقْيَسُ وَأَكْثَرُ نَظَائِرَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُتِبَ عَلَى لُغَةِ رَبِيعَةَ، وَهُوَ فِي اللَّفْظِ مَنْصُوبٌ ... » [4] .
وَرَدَّ عَلَيْهِ الْعَيْنِيُّ قَائِلًا: «قَوْلُهُ: (قَالَ: أَرْبَعٌ) كَذَا هُوَ مَرْفُوعًا، فِي رِوَايَةِ الأَكْثَرِينَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ"أَرْبَعًا"، وَلَقَدْ نَقَلَ الْكِرْمَانِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ مَالِكٍ فِي وَجْهِ هَذَا الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ مَا فِيهِ تَعَسُّفٌ
(1) المطرزي هو: أبو الفتح، ناصر بن عبد السَّيد بن علي، الخوارزمي، كان عالما بالنحو، واللغة، والأدب، من تصانيفه: كتاب"المغرب"، و"شرح مقامات الحريري"، توفي سنة عشر وست مئة (610 هـ) . ينظر: إنباه الرواة 3/ 339، 340، ومعجم الأدباء 5/ 546، وإشارة التعيين، ص:361، وبغية الوعاة 2/ 311.
(2) فتح الباري 3/ 498.
(3) شواهد التوضيح، ص:49، 50.
(4) شواهد التوضيح، ص:38، 39. وينظر: إرشاد الساري 4/ 296.