الْقِيَاسُ أَنْ يَقُولَ:"عُصُمًا"؛ لأَنَّهُ مَفْعُولٌ لِـ"آخُذُ".
وَقَوْلُ الآخَرِ:
شَئِزٌ جَنْبِي كَأَنِّي مُهْدَأٌ *** جَعَلَ الْقَيْنُ عَلَى الدَّفِّ إِبَرْ [1]
الْقِيَاسُ أَنْ يَقُولَ:"إِبَرًا"؛ لأَنَّهُ خَبَرٌ لِـ"جَعَلَ".
وَقَوْلُ الآخَرِ:
أَلاَ حَبَّذَا غُنْمٌ وَحُسْنُ حَدِيثِهَا *** لَقَدْ تَرَكْتُ قَلْبِي بِهَا هَائِمًا دَنِفْ [2]
الْقِيَاسُ أَنْ يَقُولَ:"دَنِفًا"؛ لأَنَّهُ حَالٌ لِلْقَلْبِ.
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ مَا وَرَدَ فِي الأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ يُخَالِفُهُ قِيَاسُ جُمْهُورِ كَلاَمِ الْعَرَبِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: «قَوْلُهُ: (وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرْ) هَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ: (صَفَرْ) مِنْ غَيْرِ أَلِفٍ بَعْدَ الرَّاءِ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ مَصْرُوفٌ، بِلاَ خِلاَفٍ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَبَ بِالأَلِفِ، وَسَواءٌ كُتِبَ بِالأَلِفِ أَمْ بِحَذْفِهَا، لاَ بُدَّ مِنْ قِرَاءَتِهِ هُنَا مَنْصُوبًا؛ لأَنَّهُ مَصْرُوفٌ» [3] .
وَقَدْ وُجِّهَتْ بَعْضُ تِلْكَ الأَحَادِيثِ عَلَى لُغَةِ رَبِيعَةَ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: «وَمِنَ الْمَكْتُوبِ عَلَى لُغَةِ رَبِيعَةَ:"إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنْعَ وَهَاتْ"أَيْ: وَمَنْعًا وَهَاتِ، فَحَذَفَ الأَلِفَ لِمَا ذَكَرْتُ لَكَ» [4] .
وَذَكَرَ ابْنُ حَجَرٍ هَذِهِ اللُّغَةَ فِي تَوْجِيهِ: (قُلْتُ: ثَيِّبْ) . [5]
وَقَدِ الْتُمِسَ لِبَعْضِ تِلْكَ الأَحَادِيثِ وَجْهًا مِنَ الْقِيَاسِ:
ذَهَبَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ إِلَى أَنَّ"صَفَرْ"مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ -خِلاَفًا لِلْمَشْهُورِ- لِذَا يُوقَفَ عَلَيْهِ بِالسُّكُونِ قِيَاسًا.
أَخَذَ بِذَلِكَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: « (وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا) بِالتَّنْوِينِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِحَذْفِهِ، وَالصَّوَابُ الأَوَّلُ؛ لأَنَّهُ مَصْرُوفٌ، وَفِي (الْمُحْكَمِ) [6] : كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ لاَ يَصْرِفُهُ» [7] .
(1) البيت من الرمل، لعدي بن زيد، وهو في: ديوانه، ص:59، والخصائص 2/ 97، والفوائد والقواعد، ص:81، وعجزه في: شرح المفصل 5/ 212 برواية: (قد جعل) بدلا من (جعل) .
شَئِزٌ: مرتفع. ينظر: القاموس (ش أ ز) .
مهدأ: من أهدأت الصبي إذا جعلت تضرب عليه بكفك وتسكنه لينام. ينظر: اللسان (هـ د أ) 1/ 181.
(2) البيت من الطويل، وقائله مجهول، وهو في: همع الهوامع 6/ 201.
(3) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 8/ 449.
(4) شواهد التوضيح، ص:49، 50.
(5) ينظر: فتح الباري 11/ 194.
(6) مادة (ص ف ر) 8/ 124.
(7) التنقيح 1/ 387.