وَقَالَ الْبَغْدَادِيُّ: «إِنَّ ابْنَ مَالِكٍ اسْتَشْهَدَ عَلَى لُغَةِ"أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ"بِحَدِيثِ (الصَّحِيحَيْنِ) :"يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ"، وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى صَارَ يُسَمِّيهَا لُغَةَ"يَتَعَاقَبُونَ"» [1] .
وَبِذَلِكَ يَكُونُ ابْنُ مَالِكٍ قَدْ خَالَفَ سِيبَوَيْهِ وَجُمْهَورَ النُّحَاةِ الَّذِينَ كَانُوا يُسَمُّونَهَا بِلُغَةِ"أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ".
وَلَعَلَّ تِلْكَ الْمُخَالَفَةَ تَرْجِعُ -فِي نَظَرِ الْبَحْثِ- إِلَى مَا فِي قَوْلِهِمْ:"أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ"مِنْ ضَعْفٍ فِي الْمَبْنَى، وَسَخَافَةٍ فِي الْمَعْنَى؛ بِدَلِيلِ أَنَّ بَعْضَ النُّحَاةِ غَلَّطُوا قَائِلَ هَذِهِ الْمَقُولَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: «أَنَّ الْبُرْغُوثَ لاَ يَأْكُلُ، وَإِنَّمَا يَقْرِصُ، فَكَانَ يَنْبَغِي:"قَرَصَتْنِي الْبَرَاغِيثُ".
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا جُمِعَ، كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُجْمَعَ بِـ"النُّونِ"، فَيَقُولُ:"قَرَصْنَنِي الْبَرَاغِيثُ"، فَمَا رَضِيَ بِـ"قَرَصْنَنِي"، وَلاَ"قَرَصَتْنِي"، وَلاَ"أَكَلَتْنِي"، وَلاَ بِـ"أَكَلْنَنِي"» [2] .
وَدُوفِعَ عَنْهَا بِأَنَّهُ شُبِّهَتِ الْبَرَاغِيثُ بِالْعُقَلاَءِ فَجِيءَ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِهِمْ؛ إِيحَاءً بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْبَرَاغِيثَ تَأْكُلُ أَكْلًا مُتَمَكِّنًا مِلْءَ فَمِهَا مِثْلَ الْعُقَلاَءِ، وَغُلِّبَ التَّذْكِيرُ؛ لأَنَّهُ الأَصْلُ [3] ، فَقِيلَ:"أَكَلُونِي"لِلْمُبَالَغَةِ؛ لأَنَّ الأَكْلَ أَكْثَرُ مِنَ الْقَرْصِ، وَأَكْلُ الْعُقَلاَءِ أَمْكَنُ مِنْ أَكْلِ الْبَهَائِمِ. [4]
وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(1) الخزانة 1/ 13.
(2) الفوائد والقواعد، ص:184. وينظر: مجاز القرآن 1/ 101، والبسيط/ لابن أبي الربيع 1/ 269، واللؤلؤة في علم العربية وشرحها، ص:157.
(3) قال ابن مالك: «أصل الاسم التذكير، فاستغنى عن علامة، بخلاف التأنيث» التسهيل، ص:253.
(4) الفوائد والقواعد، ص:184. وينظر: اللؤلؤة في علم العربية وشرحها، ص:157.