فهرس الكتاب

الصفحة 462 من 1015

وَمِثْلُ ذَلِكَ:"رُبَّهُ رَجُلًا"، كَأَنَّكَ قُلْتَ:"وَيْحَهُ رَجُلًا"، فِي أَنَّهُ عَمِلَ فِيمَا بَعْدَهُ، كَمَا عَمِلَ"وَيْحًا"فِيمَا بَعْدَهُ، لاَ فِي الْمَعْنَى، وَ"حَسْبُكَ بِهِ رَجُلًا"، مِثْلُ:"نِعْمَ رَجُلًا"، فِي الْعَمَلِ وَفِي الْمَعْنَى؛ وَذَلِكَ لأَنَّهُمَا ثَنَاءٌ فِي اسْتِيجَابِهِمَا الْمَنْزِلَةَ الرَّفِيعَةَ

وَأَمَّا قَوْلُهُمْ:"نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ"، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ:"ذَهَبَ أَخُوهُ عَبْدُ اللهِ"، عَمِلَ"نِعْمَ"فِي"الرَّجُلِ"، وَلَمْ يَعْمَلْ فِي"عَبْدِ اللهِ".

وَإِذَا قَالَ:"عَبْدُ اللهِ نِعْمَ الرَّجُلُ"، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ:"عَبْدُ اللهِ ذَهَبَ أَخُوهُ"، كَأَنَّهُ قَالَ:"نِعْمَ الرَّجُلُ"، فَقِيلَ لَهُ مَنْ هُوَ؟ فَقَالَ:"عَبْدُ اللهِ". وَإِذَا قَالَ:"عَبْدُ اللهِ"، فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ:"مَا شَأْنُهُ؟"فَقَالَ:"نِعْمَ الرَّجُلُ".

فَـ"نِعْمَ"تَكُونُ مَرَّةً عَامِلَةً فِي مُضْمَرٍ، يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ، فَتَكُونُ هِيَ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ:"وَيْحَهُ"، وَمِثْلِهِ، ثُمَّ يَعْمَلاَنِ فِي الَّذِي فَسَّرَ الْمُضْمَرَ عَمَلَ"مِثْلُهُ"وَ"وَيْحَهُ"، إِذَا قُلْتَ:"لِي مِثْلُهُ عَبْدًا".

وَتَكُونُ مَرَّةً أُخْرَى تَعْمَلُ فِي مُظْهَرٍ لاَ تُجَاوِزُهُ.

فَهِيَ مَرَّةً بِمَنْزِلَةِ:"رُبَّهُ رَجُلًا"، وَمَرَّةً بِمَنْزِلَةِ:"ذَهَبَ أَخُوهُ"، فَتَجْرِي مَجْرَى الْمُضْمَرِ الَّذِي قُدِّمَ لِمَا بَعْدَهُ مِنَ التَّفْسِيرِ، وَسَدَّ مَكَانَهُ؛ لأَنَّهُ قَدْ بَيَّنَهُ، وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِكَ:"أَزَيْدًا ضَرَبْتَهُ؟» [1] ."

الْمَذْهَبُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُبَرِّدَ يُجِيزُ وَيَحْتَجُّ بِأَنَّ ذِكْرَ الْفَاعِلِ الظَّاهِرِ وَالتَّمْيِيزِ مَعًا مُبَالَغَةٌ فِي الْبَيَانِ وَالتَّأْكِيدِ، قَالَ الْمُبَرِّدُ: «وَاعْلَمْ أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ:"نِعْمَ الرَّجُلُ رَجُلًا زَيْدٌ"، فَقَوْلُكَ:"رَجُلًا"تَوْكِيدٌ؛ لأَنَّهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِذِكْرِ الرَّجُلِ أَوَّلًا.

وَإِنَّمَا هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ:"عِنْدِي مِنَ الدَّرَاهِمِ عِشْرُونَ دِرْهَمًا"، إِنَّمَا ذَكَرْتَ الدِّرْهَمَ تَوْكِيدًا، وَلَوْ لَمْ تَذْكُرْهُ لَمْ تَحْتَجْ إِلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا قَوْلُ الشَّاعِرِ:

تَزَوَّدْ مِثْلَ زَادِ أَبِيكَ فِينَا *** فَنِعْمَ الزّادُ زَادُ أَبِيكَ زَادَا [2] » [3] .

رَجَّحَ جُمْهُورُ النُّحَاةِ مَذْهَبَ الْمُبَرِّدِ [4] ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: «وَمَنَعَ سِيبَوَيْهِ الْجَمْعَ بَيْنَ التَّمْيِيزِ وَإِظْهَارِ الْفَاعِلِ، وَأَجَازَ الْمُبَرِّدُ ذَلِكَ، وَإِجَازَتُهُ أَوْلَى كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:

(1) الكتاب 2/ 175 - 177.

(2) البيت من الوافر، لجرير بن عطية، في قصيدة يمدح بها عمر بن عبد العزيز، وهو في ديوانه، ص:107، وشرح الكافية الشافية 2/ 1107، والكافي في الإفصاح 3/ 702، وإيضاح شواهد الإيضاح 1/ 132، وبلا نسبة في: المقتضب 2/ 150، والمسائل الحلبيات، ص:235، والمغني 2/ 131.

(3) المقتضب 2/ 150.

(4) ينظر: شرح ابن الناظم، ص:471.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت