فهرس الكتاب

الصفحة 497 من 1015

وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الإِبْدَالِ أَنَّهُ إِذَا جَاءَتْ بَعْدَ أَلِفِ"مَفَاعِلَ"وَشِبْهِهِ، أَلِفٌ أُخْرَى، «وَهِيَ مِثْلُهَا فِي الزِّيَادَةِ وَالإِتْيَانِ لِمُجَرَّدِ الْمَدِّ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ حَذْفِ إِحْدَاهُمَا، أَوْ تَحْرِيكِهَا: امْتِنَعَ الْحَذْفُ؛ لإِيجَابِهِ اللَّبْسَ بِالْمُفْرَدِ، فَتَعَيَّنَ تَحْرِيكُ أَقْرَبِهِمَا إِلَى الطَّرَفِ، فَانْقَلَبَتْ هَمْزَةً، وَحُمِلَتِ الْيَاءُ وَالْوَاوُ عَلَى الأَلِفِ؛ لِتَسَاوِيهِنَّ فِي الزِّيَادَةِ وَالإِتْيَانِ لِمُجَرَّدِ الْمَدِّ» . [1]

وَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ مِثْلُ"قَسَاوِرَ"جَمْعُ"قَسْوَرَةٍ"؛ لأَنَّ الْوَاوَ فِي مُفْرَدِهَا لَيْسَتْ مَدَّةً، وَتَخْرُجُ"مَعَايِشُ"جَمْعُ"مَعِيشَةٍ"عَلَى وَزْنِ"مَفْعُلَةٍ"أَوْ"مَفْعِلَةٍ"-عَلَى خِلاَفٍ [2] -؛ لأَنَّ الْيَاءَ فِي الْمُفْرَدِ أَصْلِيَّةٌ؛ وَلِذَلِكَ ثَبَتَتِ الْوَاوُ وَالْيَاءُ فِي الْجَمْعِ غَيْرَ مُبْدَلَتَيْنِ إِلَى هَمْزَةٍ [3] ، وَفِي هَذَا يَقُولُ سِيبَوَيْهِ: «وَسَأَلْتُهُ عَنْ وَاوِ"عَجُوزٍ"، وَأَلِفِ"رِسَالَةٍ"، وَيَاءِ"صَحِيفَةٍ"، لأَيِّ شَيْءٍ هُمِزْنَ فِي الْجَمْعِ، وَلَمْ يَكُنَّ بِمَنْزِلَةِ"مَعَاوِنَ، وَمَعَايِشَ"، إِذَا قُلْتَ:"صَحَائِفُ، وَرَسَائِلُ، وَعَجَائِزُ"؟. فَقَالَ: لأنِّي إِذَا جَمَعْتُ"مَعَاوِنَ"وَنَحْوَهَا، فَإِنَّمَا أَجْمَعُ مَا أَصْلُهُ الْحَرَكَةُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا حَرَّكْتُ كَـ"جَدْوَلٍ"، وَهَذِهِ الْحُرُوفُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ أَصْلُهَا التَّحْرِيكَ، وَكَانَتْ مَيِّتَةً، لاَ تَدْخُلُهَا الْحَرَكَةُ عَلَى حَالٍ، وَقَدْ وَقَعَتْ بَعْدَ أَلِفٍ، لَمْ تَكُنْ أَقْوَى حَالًا مِمَّا أَصْلُهُ مُتَحَرِّكٌ، وَقَدْ تَدْخُلُهُ الْحَرَكَةُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْلِكَ:"قَالَ، وَبَاعَ، وَيَغْزُو، وَيَرْمِي"، فَهُمِزَتْ بَعْدَ الأَلِفِ، كَمَا يُهْمَزُ"سِقَاءٌ، وَقَضَاءٌ"، وَكَمَا يُهْمَزُ"قَائِلٌ"، وَأَصْلُهُ التَّحْرِيكُ، فَهَذِهِ الأَحْرُفُ الْمَيِّتَةُ الَّتِي لَيْسَ أَصْلُهَا الْحَرَكَةَ أَجْدَرُ أَنْ تُغَيَّرَ، إِذَا هَمَزْتَ مَا أَصْلُهُ الْحَرَكَةُ، فَمِنْ ثَمَّ خَالَفَتْ مَا حُرِّكَ، وَمَا أَصْلُهُ الْحَرَكَةُ فِي الْجَمْعِ، كَـ"جَدْوَلٍ، وَمَقَامٍ"، فَهَذِهِ الأَسْمَاءُ بِمَنْزِلَةِ مَا اعْتَلَّ عَلَى فِعْلِهِ، نَحْوُ:"يَقُولُ، وَيَبِيعُ، وَيَغْزُو، وَيَرْمِي"إِذَا وَقَعَتْ هَذِهِ السَّوَاكِنُ بَعْدَ أَلِفٍ» [4] .

وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ قَوْلَهُمْ:"مَصَائِبُ"جَمْعًا لِـ"مُصِيبَةٍ" [5] شَاذٌّ [6] ، عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعَلَى رَأْسِهِمْ سِيبَوَيْهِ [7] ، وَالفَارِسِيُّ [8] ، وَالرَّضِيُّ [9] ، قَالَ الأَزْهَرِيُّ: «وَقَالَ الزَّجَّاجُ: أَجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ عَلَى

(1) إيجاز التعريف، ص:113.

(2) قال ابن جني: «أصل"مَعِيشَةٍ"إذا كانت"مَفْعُلَةً"عند الخليل:"مَعْيُشَةٌ"، فنقل الضمَّة إلى العين فانضمت، وبعدها ياءٌ ساكنةٌ، فأبدل الضمَّة كسرةً؛ لتسلمَ بعدها الياءُ، فصارت"مَعِيشَةً"، وإذا كانت"مَفْعِلَةً"، فإنما نَقَل الكسرةَ إلى العين حَسْبُ» المنصف، ص:254. وينظر: الأصول في النحو/ لابن السراج 3/ 348.

(3) ينظر: إيجاز التعريف، ص:113، وشرح الشافية 3/ 134.

(4) الكتاب 4/ 356. وينظر: دقائق التصريف ص:274، 275.

(5) يُقَالُ في المفرد-أيضا-:مَصُوبَة، ومُصَابة. ينظر: الخصائص 3/ 144، واللسان (ص و ب) 1/ 535.

(6) ينظر: شرح التصريف/ للثمانيني ص:501، واللباب في علل البناء والإعراب 2/ 411، والمبدع في التصريف، ص:146، والارتشاف 1/ 261، وشرح الأشموني مع حاشية الصبان 4/ 289، والنحو الوافي 4/ 763، وشواذ التصريف في الأسماء، ص:242.

(7) ينظر: الكتاب 4/ 356.

(8) ينظر: الحجة للقراء السبعة/ للفارسي 4/ 8، وحمل هذا على الغلط.

(9) ينظر: شرح الشافية 3/ 134.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت