أَوَّلًا: أَنَّهُ تُقْلَبُ أَحْرُفُ الْعِلَّةِ هَمْزَةً إِذَا وَقَعَتْ بَعْدَ أَلِفِ"مَفَاعِلَ"أَوْ شِبْهِهِ، وَكَانَتْ فِي الْمُفْرَدِ مَدَّةً زَائِدَةً.
وَلِذَلِكَ شَذَّتْ -عِنْدَ الْجُمْهُورِ-"مَصَائِبُ"جَمْعًا لِـ"مُصِيبَةٍ؛ وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ مُفْرَدِهَا"مُصْوِبَةٌ"، فَأَصْلُ يَائِهَا وَاوٌ مُتَحَرِّكَةٌ فِي الْمُفْرَدِ، وَلَيْسَتْ مَدَّةً زَائِدَةً، فَالْقِيَاسُ تَصْحِيحُهَا فِي الْجَمْعِ فَيُقَالُ:"مَصَاوِبُ"."
وَلِكُلٍّ مِنَ ابْنِ جِنِّي وَالزَّجَّاجِ مَذْهَبٌ خَالَفَ فِيهِ الْجُمْهُورَ:
-اخْتَارَ ابْنُ جِنِّي أَنْ تَكُونَ"مَصَائِبُ"جَمْعًا لِـ"مُصَابٍ"عَلَى الْقِيَاسِ.
-وَيَرَى الزَّجَّاجُ أَنَّ"مَصَائِبَ"لَيْسَتْ شَاذَّةً، وَإِنَّمَا الْهَمْزَةُ فِيهَا بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ الْمَكْسُورَةِ فِي"مَصَاوِبَ"، كَمَا قَالُوا:"وِسَادَةٌ وَإِسَادَةٌ".
وَيَرَى الْبَحْثُ أَنَّ"مَصَائِبَ"إِذَا كَانَتْ جَمْعًا لِـ"مُصِيبَةٍ"فَشَاذَّةٌ، كَمَا قَالَ الْجُمْهُورُ، وَإِذَا كَانَتْ جَمْعًا لِـ"مُصَابٍ أَوْ مَصُوبَةٍ"فَعَلَى قِيَاسِ"رِسَالَةٍ وَرَسَائِلَ"، كَمَا قَالَ ابْنُ جِنِّي.
ثَانِيًا: أَنَّهُ قَدْ سُمِعَ فِي"مَصَائِبَ""مَصَاوِبَ"عَلَى الأَصْلِ [1] ، وَعَلَيْهِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
يُصَاحِبُ الشَّيْطَانُ مَنْ يُصَاحِبُهْ *** وَهْوَ أَذِيٌّ جَمَّةٌ مَصَاوِبُهْ [2]
وَقَالَ الْمُؤَدِّبُ: «وَأَكْثَرُ الْعَرَبِ يَقُولُ:"مَصَاوِبُ"، فَيَجِيءُ بِهَا عَلَى الْقِيَاسِ، وَعَلَى مَا يَنْبَغِي» [3] .
وَقَوْلُ الْمُؤَدِّبِ هَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ؛ لأنِّي لَمْ أَجِدْ"مَصَاوِبَ"إِلاَّ فِي الْبَيْتِ السَّابِقِ، وَلَمْ أَجِدْهَا فِي حَدِيثِ وَاحِدٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ عَلَيْهِ كَلاَمُ أَكْثَرِ الْعَرَبِ؟!!
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الرَّاجِحَ -فِي نَظَرِ الْبَحْثِ- أَنَّ"مَصَائِبَ"وَنَحْوَهَا شَاذَّةٌ فِي الْقِيَاسِ، فَصِيحَةٌ مُطَّرِدَةٌ فِي الاِسْتِعْمَالِ، وَلَيْسَتْ بِخَطَأٍ، وَلاَ غَلَطٍ.
ثَالِثًا: أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النُّحَاةِ طَعَنُوا عَلَى قِرَاءَةِ: {مَعَائِشُ} ؛ لِزَعْمِهِمْ أَنَّهَا قِرَاءَةٌ انْفَرَدَ بِهَا نَافِعٌ، وَهُوَ ضَعِيفٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ، قَالَ الأَزْهَرِيُّ: « ... وَأَكْثَرُ الْقُرَّاءِ عَلَى تَرْكِ الْهَمْزِ فِي"مَعَايِشَ"، إِلاَّ مَا رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ هَمَزَهَا، وَالنَّحْوِيُّونَ عَلَى أَنَّ هَمْزَهَا خَطَأٌ، وَذَكَرُوا أَنَّ
(1) ينظر: أدب الكاتب، ص:459، وشرح الأشموني مع حاشية الصبان 4/ 289.
(2) البيتان من الرجز، بلا نسبة في: الخصائص 3/ 144، واللسان (أ ذ ى) 14/ 27.
(3) دقائق التصريف ص:274، 275.