الْهَمْزَةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِي هَذِهِ الْيَاءِ إِذَا كَانَتْ زَائِدَةً، نَحْوُ"صَحِيفَةٍ وَصَحَائِفَ"، فَأَمَّا"مَعَايِشُ"فَمِنَ الْعَيْشِ، الْيَاءُ أَصْلِيَّةٌ» [1] .
وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ فِي (الْمُحْكَمِ) [2] : «وَجَمْعُ"الْمَعِيشَةِ""مَعَايِشُ"عَلَى الْقِيَاسِ، وَ"مَعَائِشُ"عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا، وَرُوِيَتْ عَنْ نَافِعٍ مَهْمُوزَةً، وَجَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ الْبَصْرِيِّينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ هَمْزَهَا خَطَأٌ» .
وَقَالَ ابْنُ يَعِيشَ: «فَأَمَّا قِرَاءَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: {مَعَائِشُ} بِالْهَمْزِ، فَهِيَ ضَعِيفَةٌ، وَإِنَّمَا أُخِذَتْ عَنْ نَافِعٍ، وَلَمْ يَكُنْ قَبًّا فِي الْعَرَبِيَّةِ» [3] .
وَهَذَا التَّضْعِيفُ وَالتَّخْطِئَةُ مَا كَانَ يَنْبَغِي؛ لأَنَّ الْقِرَاءَةَ سُنَّةٌ مَوْقُوفَةٌ لاَ اجْتِهَادِيَّةٌ.
رَابِعًا: أَنَّهُ قِيلَ: إِنَّ هَمْزَ"مَلاَئِكَةَ"شَاذٌّ؛ لأَنَّ مُفْرَدَهَا"مَلَكٌ"، وَأَصْلُ"مَلَكٍ"،"مَلْوَكٌ"، ثُمَّ"مَلَوْكٌ"، ثُمَّ"مَلاَكٌ"، ثُمَّ جُمِعَ عَلَى"مَلاَوِكَةََ"، ثُمَّ"مَلاَئِكَةَ".
هَذَا، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ"مَلاَئِكَةَ"أَقْوْالٌ أُخْرَى تَجْعَلُ هَمْزَهَا عَلَى الْقِيَاسِ، مِنْهَا [4] :
1 -إِنَّ مُفْرَدَهَا"مَلَكٌ"، عَلَى وَزْنِ:"مَفَلٍ"، وَأَصْلُهُ:"مَلأَكٌ"عَلَى وَزْنِ"مَفْعَلٍ"، فَحُذِفَتِ الْهَمْزَةُ تَخْفِيفًا، وَنُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى اللاَّمِ، وَهِيَ فَاءُ الْكَلِمَةِ، فَصَارَ:"مَلَكًا"، وَجُمِعَ عَلَى"مَلاَئِكَةَ"بِرَدِّ الْمَحْذُوفِ مِنْهُ، عَلَى وَزْنِ"مَفَاعِلَةَ" [5] ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْمَحْذُوفِ قَوْلُ الشَّاعِرِ حِينَ اضْطُرَّ:
فَلَسْتَ لإنْسِيٍّ وَلَكِنْ لِمَلأَكٍ *** تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ [6]
2 -إِنَّ أَصْلَهُ:"مَأْلَكٌ"، مِنْ"ألَكَ"بِمَعْنَى: أَرْسَلَ، يُدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ لَبِيدٍ [7] :
(1) تهذيب اللغة (ع ا ش) 3/ 60. وينظر: تاج العروس (ع ي ش) 17/ 283.
(2) (ع ي ش) 2/ 153. وينظر: معاني القرآن وإعرابه/ للزجاج 2/ 320.
(3) شرح المفصل 5/ 474. القبّ: الرئيس، والفحْل من النّاس، وشيخ القوم. ينظر: القاموس (ق ب ب) .
(4) ينظر: التبيان 1/ 44، وشواذ الإعلال والإبدال في القرآن الكريم، ص:49 - 53، وتداخل الأصول 1/ 504 - 507.
(5) ينظر: المنصف، ص:365.
(6) البيت من الطويل، لعلقمة الفحل في شرح ديوانه/ للأعلم، ص:83، والكتاب 4/ 380، والأصول في النحو/ لابن السراج 3/ 339، وأمالي ابن الشجري 2/ 203، وبلا نسبة في: مجاز القرآن 1/ 35، وكتاب الجمل/ للزجاجي، ص:47، والبسيط/ لابن أبي الربيع 2/ 731. فلست لإنسي، أي: لست تنسب لإنسي، ولكنك تنسب لملك. و"يصوب"ينزل. والمعنى: أنه مدح رجلا فقال: «قد باينْتَ الإنسَ في أخلاقك، وأشبهْتَ الملائكةَ في طهارتك وفضلِكَ، فكأنك لِمَلَكٍ وَلَدَكَ» تحصيل عين الذهب، ص:585.
(7) لبيد هو: ابن ربيعة العامري، أبو عقيل، كان فارسا شاعرا شجاعا مسلما، من الطبقة الثالثة من فحول الشعراء، مات بالكوفة في أول خلافة معاوية، وهو ابن سبع وخمسين ومئة سنة. ينظر: طبقات فحول الشعراء 1/ 123، والشعر والشعراء 1/ 274.