وَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ (قَائِلًا: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (يَقُولُ: مَا مِنْ ثَلاَثَةٍ فِي قَرْيَةٍٍ، وَلاَ فِي بَدْوٍ، لاَ تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلاَةُ، إِلاَّ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ» [1] .
فَالْقِيَاسُ فِي"اسْتَحْوَذَ"أَنْ يُقَالَ:"اسْتَحَاذَ"، بِنَقْلِ حَرَكَةِ الْوَاوِ إِلَى السَّاكِنِ الصَّحِيحِ قَبْلَهَا، وَقَلْبِهَا حَرْفًا مُجَانِسًا لِحَرَكَتِهِ، قَالَ ابْنُ الأَثِيرِ:"اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ" «أَيْ: اسْتَوْلَى عَلَيْهِمْ وَحَوَاهُمْ إِلَيْهِ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ أَحَدُ مَا جَاءَ عَلَى الأَصْلِ مِنْ غَيْرِ إِعْلاَلٍ، خَارِجَةً عَنْ أَخَوَاتِهَا، نَحْوُ:"اسْتَقَالَ، وَاسْتَقَامَ"» [2] .
هَذَا هُوَ الْحُكْمُ فِي"اسْتَحْوَذَ"وَأَمْثَالِهِ عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ، وَإِلاَّ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قِيَاسِيَّةِ التَّصْحِيحِ فِيهَا، فَذَهَبُوا فِي ذَلِكَ إِلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ [3] :
الأَوَّلُ: أَنَّ التَّصْحِيحَ فِيهَا شَاذٌّ، سَوَاءٌ كَانَ لَهَا فِعْلٌ ثُلاَثِيٌّ أَمْ لاَ.
وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ [4] ، قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ: «لَيْسَ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ: فِعْلٌ صَحَّ مِنَ الْمُعْتَلِّ، وَلَمْ يُعَلَّ، إِلاَّ"اسْتَحْوَذَ"، وَأَغْيَمَتِ السَّمَاءُ، وَاسْتَنْوَقَ الْجَمَلُ، وَاسْتَتْيَسَتِ الشَّاةُ، وَأَغْيَلَتِ الْمَرَأَةُ، مِنَ الْغَيْلِ، وَهِيَ أَنْ تَحْمِلَ عَلَى حَيْضٍ، وَذَلِكَ رَدِيءٌ، وَقَدْ يَجِيءُ فِي الشِّعْرِ كَثِيرًا ضَرُورَةً، كَمَا قَالَ:
صَدَدْتِ فَأَطْوَلْتِ الصُّدُودَ وَقَلَّمَا *** وِصَالٌ عَلَى طُولِ الصُّدُودِ يَدُومُ [5]
وَأَطْيَبْتَ يَا رَجُلُ» [6]
وَقَالَ الْمُؤَدِّبُ: «وَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( } [7] فَأَخْرَجَهُ عَلَى الأَصْلِ، وَلَوْ قِيلَ فِي الْكَلاَمِ:"اسْتَحَاذَ" [8] لَجَازَ عَلَى اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ» [9] .
(1) الحديث في: المستدرك على الصحيحين، كتاب الإمامة وصلاة الجماعة، ح (765) 1/ 330.
(2) النهاية (ح و ذ) . وينظر: شرح الطَّيْبِيّ على مشكاة المصابيح 3/ 31، وتاج العروس (ح و ذ) 9/ 402.
(3) ينظر: شواذ الإعلال والإبدال في القرآن الكريم، ص:34.
(4) ينظر: الكتاب 4/ 346، والأصول في النحو/ لابن السراج 3/ 282، والخصائص 1/ 98، وشرح التصريف، ص:461، ومشكل إعراب القرآن، ص:723، وشرح الشافية 3/ 112.
(5) البيت من الطويل، ينسب للمرار الفقعسي، وهو في: ديوانه، ص: 48، والمغني 1/ 498، والدرر اللوامع 2/ 107، 240. وينسب لعمر بن أبي ربيعة، وليس في ديوانه، وهو في: الكتاب 1/ 31، وبلا نسبة في: المقتضب 1/ 84، والإنصاف 1/ 138، وشرح المفصل 3/ 33،
(6) ليس في كلام العرب، ص: 113، 114.
(7) سورة المجادلة، من الآية:19.
(8) قال ابن مَنْظُورٍ: « ... هذا الباب كله يجوز أن يتكلم به على الأصل، تقول العرب:"استصاب، واستصْوَب، واستجاب، واستجْوَب"، وهو قياس مطرد عندهم» اللسان (ح و ذ) 3/ 487.
(9) دقائق التصريف، ص:279، 280.