وَيَرَى ابْنُ جِنِّي أَنَّ"اسْتَحْوَذَ"وَنَظَائِرَهُ، مِمَّا لَهُ فِعْلٌ ثُلاَثِيٌ أَشَدُّ شُذُوذًا؛ وَذَلِكَ لأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ مُعْتَلٍّ، فَوَجَبَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ فِي الإِعْلاَلِ، أَمَّا"اسْتَنْوَقَ"وَنَظَائِرُهُ فَلَيْسَ لَهُ فِعْلٌ ثُلاَثِيٌّ مُعْتَلٌّ؛ فَيُلْحَقُ بِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ شَاذٌّ؛ لأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَصْدَرِ، وَقِيَاسُ مَصْدَرِهِ أَنْ يَكُونَ مُعْتَلاًّ، فَيُقَالُ:"اسْتِنَاقَةً"، كَـ"اسْتِشَارَةٍ وَاسْتِعَانَةٍ"؛ لأَنَّ الْفِعْلَ إِذَا كَانَتْ عَيْنُهُ وَاوًا أَوْ يَاءً، فَإِنَّهُ يَجِيءُ مُعْتَلاًّ، فَوَجَبَ أَنْ يَجِيءَ"اسْتَنْوَقَ"بِالإِعْلاَلِ؛ لاِطِّرَادِ ذَلِكَ فِي الْفِعْلِ [1] .
الثَّانِي: أَنَّ التَّصْحِيحَ مُطَّرِدٌ فِي مَا كَانَ عَلَى"أَفْعَلَ، وَاسْتَفْعَلَ"، سَوَاءٌ كَانَ لَهَا فِعْلٌ ثُلاَثِيٌّ أَمْ لاَ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: «وَصَحَّحُوا كَثِيرًا مِنْ مَوَازِنِ"أَفْعَلَ، وَاسْتَفْعَلَ"، كَـ"أَعْوَلَ وَاسْتَحْوَذَ"، حَتَّى رَأَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْقِيَاسَ عَلَى مَا صُحِّحَ مِنْ ذَلِكَ سَائِغًا» [2]
الثَّالِثُ: اطِّرَادُ التَّصْحِيحِ فِيمَا أُهْمِلَ فِعْلُهُ الثُّلاَثِيُّ، وَشُذُوذُهُ فِيمَا لَهُ فِعْلٌ ثُلاَثِيٌّ.
وَهَذَا نَقَلَهُ الرَّضِيُّ عَنْ أَبِي زَيْدِ [3] .
فَعَلَى الْقَوْلِ الأَوَّلِ فَإِنَّ"اسْتَحْوَذَ"شَاذٌّ.
وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فَإِنَّهُ قِيَاسٌ مُطَّرِدٌ؛ لأَنَّهُ عَلَى وَزْنِ"اسْتَفْعَلَ".
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي النَّظَرُ إِلَى ثُبُوتِ الثُّلاَثِيِّ مِنْ"اسْتَحْوَذَ"وَعَدَمِهِ، وَإِلَى ذَلِكَ يُشِيرُ ابْنُ مَنْظُورٍ فِي قَوْلِهِ: « ... فَمَنْ قَالَ:"حَاذَ يَحُوذُ"، لَمْ يَقُلْ إِلاَّ"اسْتَحَاذَ"، وَمَنْ قَالَ:"أَحْوَذَ"، فَأَخْرَجَهُ عَلَى الأَصْلِ، قَالَ:"اسْتَحْوَذَ"» [4] .
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ثُبُوتِ ثُلاَثِيٍّ لِـ"اسْتَحْوَذَ"وَعَدَمِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ [5] :
الْقَوْلُ الأَوَّلُ: أَنَّ لَهُ فِعْلًا ثُلاَثِيًّا، وَهُوَ:"حَاذَ يَحُوذُ"، قَالَ الزَّجَّاجُ: «قَالَ النَّحْوِيُّونَ:"اسْتَحْوَذَ"خَرَجَ عَلَى أَصْلِهِ، فَمَنْ قَالَ:"حَاذَ يَحُوذُ، لَمْ يَقُلْ إِلاَّ"اسْتَحَاذَ يَسْتَحِيذُ"، وَمَنْ قَالَ"أَحْوَذَ"فَهُوَ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: "أَجْوَدْتَ وَأَطْيَبْتَ"، بِمَعْنَى:"أَجَدْتَ وَأَطَبْتَ"، فَأَخْرَجَهُ عَلَى الأَصْلِ، قَالَ:"
(1) ينظر: الخصائص 1/ 117 - 119.
(2) إيجاز التعريف، ص:207. وينظر: شرح الشافية 3/ 97، وشرح الجاربردي لشافية ابن الحاجب، ضمن (مجموعة الشافية) 1/ 278.
(3) ينظر: شرح الشافية 3/ 111.
(4) اللسان (ح و ذ) 3/ 487.
(5) ينظر: شواذ الإعلال والإبدال في القرآن الكريم، ص:35، 36.