"اسْتَحْوَذَ"» [1] ، وَقَالَ -أَيْضًا-: «مَعْنَى"اسْتَحْوَذَ"فِي اللُّغَةِ: اسْتَوْلَى، يُقَالُ:"حُذْتُ الإِبِلَ، وَحُزْتُهَا": إِذَا اسْتَوْلَيْتُ عَلَيْهَا وَجَمَعْتُهَا» [2] .
وهو رَأْيُ ابْنِ جِنِّي الَّذِي يَقُولُ: «وَذَلِكَ أَنَّ"اسْتَحْوَذَ"قَدْ تَقَدَّمَهُ الثُّلاَثِيُّ مُعْتَلاًّ، نَحْوُ قَوْلِهِ:
يَحُوذُهُنَّ وَلَهُ حُوذِيُّ *** كَمَا يَحُوذُ الْفِئَةَ الْكَمِيُّ [3]
-يُرْوَى بِالذَّالِ وَالزَّايِ:"يَحُوذُهُنَّ وَيَحُوزُهُنَّ"- فَلَمَّا كَانَ"اسْتَحَوَذَ"خَارِجًا عَنْ مُعْتَلٍّ ... -أَعْنِي حَاذَ يَحُوذُ- وَجَبَ إِعْلاَلُهُ» [4] .
وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: «حَاذَهَا بِحَذْوِهَا: سَاقَهَا بِعُنْفٍ» [5] .
وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ: «وَحَاذَهُ، يَحُوذُهُ، حَوْذًا: غَلَبَهُ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ، وَاسْتَحَاذَ: غَلَبَ» [6] .
وَقَالَ الزَّبِيدِيُّ [7] : «وَالْحَوْذُ وَالإِحْوَاذُ: (الْمُحَافَظَةُ عَلَى الشَّيْءِ) مِنْ"حَاذَ الإِبِلَ يَحُوذُهَا": إِذَا حَازَهَا وَجَمَعَهَا؛ لِيَسُوقَهَا، وَمِنْهُ:"اسْتَحْوَذَ عَلَى كَذَا": إِذَا حَوَاهُ» [8] .
فَفِي كُلِّ هَذِهِ النُّقُولِ إِثْبَاتُ فِعْلٍ ثُلاَثِيٍّ بِمَعْنَى الْغَلَبَةِ أَوِ الْجَمْعِ أَوِ السَّوْقِ، وَهِيَ مَعَانٍ مُوَافِقَةٌ أَوْ مُقَارِبَةٌ مِنْ مَعْنَى:"اسْتَحْوَذَ"، وَهَذَا مَا جَعَلَ بَعْضَ اللُّغَوِيِّينَ يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ"حَاذَ"وَ"اسْتَحْوَذَ"بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَعَلَيْهِ قَوْلَهُمْ:"حَاذَ الْحِمَارُ أُتْنَهُ": إِذَا اسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَجَمَعَهَا. [9]
الْقَوْلُ الثَّانِي: -وَهُوَ رَأْيُ الْجُمْهُورِ- أَنَّ"اسْتَحْوَذَ"، وَإِنْ كَانَ لَهُ فِعْلٌ ثُلاَثِيٌّ، إِلاَّ أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ؛ وَذَلِكَ أَنَّ"اسْتَحْوَذَ"بِمَعْنَى: غَلَبَ وَاسْتَوْلَى، لَمْ يُسْتَعْمَلْ إِلاَّ بِزِيَادَةٍ، فَلَمْ يَقُولُوا:"حَاذَ عَلَيْهِ"بِمَعْنَى: إِذَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ، بَلْ قَالُوا:"حَاذَ الإِبِلَ": إِذَا جَمَعَهَا [10] ؛ وَلِهَذَا هُوَ مِنْ بَابِ
(1) معاني القرآن وإعرابه/ للزجاج 2/ 122.
(2) معاني القرآن وإعرابه/ للزجاج 5/ 140.
(3) الرجز للعجاج في ديوانه 1/ 524. يحوذ: يجمع، ويحفظ. ينظر: القاموس (ح و ذ) . والكمي: الشجاع المتغطي بسلاحه، وجمعه"كُمَاةٌ، وأَكْماءٌ". ينظر: القاموس (ك م ى) .
(4) الخصائص 1/ 118.
(5) المجمل (ح و ذ) 1/ 256.
(6) المحكم (ح و ذ) 3/ 382.
(7) الزبيدي هو: أبو الفيض، محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق، الحسيني، الزَّبِيدي، الملقب بمرتضى، علامة باللغة، والحديث، والرجال والأنساب، من مصنفاته:"تاج العروس"، و"إتحاف السادة المتقين"، و"أسانيد الكتب الستة"، توفي سنة (1205 هـ) . ينظر: الأعلام 7/ 70.
(8) تاج العروس (ح و ذ) 9/ 400.
(9) ينظر: تهذيب اللغة (ح ا ذ) 5/ 206، 207، ودراسات صوتية في روايات غريب الحديث والأثر، ص:146.
(10) ينظر: معاني القرآن وإعرابه/ للزجاج 5/ 140، 141، وقال ابن عقيل -في (المساعد 4/ 178) : «إنهم لم يقولوا من استحوذ حاذ» . فلعله يريد ما أراد الزجاج والنحاس وغيرهما من اختلافهما في المعنى.