وَحَكَى سِيبَوَيْهِ أَنَّ"أُوخُذْ، وَأُوكُلْ"لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ، قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ: «قَالَ أَبُو حَيَّانٍ: وَنَصَّ سِيبَوَيْهِ فِي (بَابِ عِدَّةِ مَا يَكُونُ عَلَيْهِ الْكَلِمُ) عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ تُتِمُّ، فَتَقُولُ:"أُوكُلْ". قَالَ: كَمَا أَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ فِي:"غَدٍ: غَدْوٌ". انْتَهَى» [1] .
ثَانِيًا: أَنَّ مِمَّا شَذَّ -أَيْضًا- فِي بَابِ قَلْبِ الْهَمْزَةِ السَّاكِنَةِ: قَلْبُهَا بِحَرْفٍ غَيْرِ مُجَانِسٍ لِحَرَكَةِ مَا قَبْلَهَا، قَالَ ابْنُ جِنِّي: «فَأَمَّا الإِبْدَالُ، عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، فَقَوْلُهُمْ:"قَرَيْتُ، وَأَخْطَيْتُ، وَتَوَضَيْتُ"... ، ... ، ... وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ هَذَا النَّحْوِ، فَإِنَّهُ إِذَا أُبْدِلَ صَارَ إِلَى أَحْكَامِ ذَوَاتِ الْيَاءِ، أَلاَ تَرَى أَنَّ"قَرَيْتُ"مُبْدَلَةٌ مِنْ"قَرَأْتُ"بِوَزْنِ"قَرَيْتُ"، مِنْ"قَرَيْتُ الضَّيْفَ"، وَنَحْوِ ذَلِكَ» [2] .
فَالْقِيَاسُ فِي تَخْفِيفِ هَذِهِ الْهَمْزَاتِ -عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ- أَنْ تُبْدَلَ أَلِفَاتٍ؛ لِسُكُونِهَا وَانْفِتَاحَ مَا قَبْلَهَا.
وَمِمَّا شَذَّ -أَيْضًا- مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَعُلَمَاءِ الْغَرِيبِ عَنْ رِوَايَةٍ لأَحَدِ الأَحَادِيثٍ: «فَحَلَّيْتُهُمْ» ، قَالَ ابْنُ الأَثِيرِ: «هَكَذَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، فَقُلِبَ الْهَمْزَةُ يَاءً، وَلَيْسَ بِالْقِيَاسِ؛ لأَنَّ الْيَاءَ لاَ تُبْدَلُ مِنَ الْهَمْزَةِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَا قَبْلَهَا مَكْسُورًا، نَحْوُ:"بِيرٍ"، وَ"إِيلاَفٍ"، وَقَدْ شَذَّ"قَرَيْتُ"فِي"قَرَأْتُ"، وَلَيْسَ بِالْكَثِيرِ، وَالأَصْلُ الْهَمْزُ» [3] .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: «قَالَ الْقَاضِي [4] : كَذَا رَوِايَتُنَا فِيهِ هُنَا، غَيْرَ مَهْمُوزٍ، قَالَ: وَأَصْلُهُ الْهَمْزُ، فَسَهَّلَهُ، وَقَدْ جَاءَ مَهْمُوزًا بَعْدَ هَذَا، فِي هَذَا الْحَدِيثِ» [5] .
فَالرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ"فَحَلأْتُهُمْ"بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ، بَعْدَ فَتْحَةٍ [6] ، وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي مَتْنِ (صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ) الْمَطْبُوعِ. [7]
فَالْقِيَاسُ فِي تَخْفِيفِ هَمْزَتِهَا أَنْ تُقْلَبَ أَلِفًا؛ لِسُكُونِهَا، وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا، فَيُقَالُ:"حَلاَتُهُمْ"، كَمَا قِيلَ فِي"رَأْسٍ":"رَاسٌ"، وَفِي"فَأْسٍ":"فَاسٌ"، وَفِي"قَرَأْتُ":"قَرَاتُ".
وَالنَّاظِرُ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ يَجِدُ أَنَّهُ لاَ تَعَارُضَ بَيْنَ الْكَلِمَةِ الْمَهْمُوزَةِ وَالْمُسَهَّلَةِ، فَكِلْتَاهُمَا تَدُلاَّنِ عَلَى الطَّرْدِ وَالإِخْرَاجِ، قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: «وَقَدْ حَلأْتُ الإِبِلَ عَنِ الْمَاءِ: إَذَا طَرَدْتُهَا عَنْهُ [8] ، وَمَنَعْتُهَا مِنْ أَنْ تَرِدَهُ. وَقَدْ حَلَّيْتُ الشَّيْءَ فِي عَيْنِ صَاحِبِهِ» [9] .
(1) حاشية ابن جماعة على شرح الجاربردي لمتن الشافية، ضمن (مجموعة الشافية) 1/ 258.
(2) الخصائص 3/ 152، 153 باختصار.
(3) النهاية (ح ل أ) .
(4) ينظر: إكمال المعلم 6/ 199.
(5) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 12/ 387.
(6) ينظر: المجموع المغيث (ح ل أ) .
(7) مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب (45) ، ح 132 - (1807) 3/ 1438.
(8) ينظر: فعلت وأفعلت/ للزجاج، ص:29، 129.
(9) إصلاح المنطق، ص:153، 154.