وَقَالَ النَّوَوِيُّ: « (فَحَلَّيْتُهُمْ عَنْهُ) -بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَلاَمٍ مُشَدَّدَةٍ غَيْرَ مَهْمُوزَةٍ-، أَيْ: طَرَدْتُهُمْ عَنْهُ، وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: (يَعْنِي أَجْلَيْتُهُمْ عَنْهُ) بِالْجِيمِ» [1] .
مِنْ هُنَا كَانَتْ رِوَايَةُ التَّسْهِيلِ شَاذَّةً تَصْرِيفًا، وَمُطَّرِدَةً مَعْنًى.
ثَالِثًا: أَنَّ الْيَاءَ الْمُبْدَلَةَ مِنَ الْهَمْزَةِ -فِي نَظَرِ الْجُمْهُورِ- لاَ تُقْلَبُ تَاءً فِي الاِفْتِعَالِ.
وَيَرَى الْبَغْدَادِيُّونَ وَمَنْ تَابَعَهُمْ جَوازَ ذَلِكَ.
وَعَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ شَذَّ"اتَّخَذَّ"عِنْدَ الْقَوْلِ: إِنَّهُ عَلَى وَزْنِ"افْتَعَلَ"مِنْ"أَخَذَ"، وَأَمَّا عِنْدَ الْقَوْلِ: إِنَّهُ عَلَى وَزْنِ"افْتَعَلَ"مِنْ"تَخِذَ"، أَوْ"وَخِذَ"فَعَلَى الْقِيَاسِ.
هَذَا، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ أَنَّ"تَخِذْتُ، وَوَخِذْتُ"لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَ"اتَّخَذْتُ"لُغَةُ تَمِيمٍ.
فَاللُّغَةُ الأُولَى عَلَى الْقِيَاسِ، وَالثَّانِيَةُ مُخَالِفَةٌ لِلْقِيَاسِ، وَلَكِنَّهَا الأَفْصَحُ، وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ.
وَشَذَّ -أَيْضًا- عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ:"اِتَّزَرَ"عِنْدَ الْقَوْلِ: إِنَّ أَصْلَهُ"اِئْتَزَرَ"عَلَى وَزْنِ"افْتَعَلَ"، وَأَمَّا عِنْدَ الْقَوْلِ: إِنَّ أَصْلَهُ"اِوْتَزَرَ"عَلَى وَزْنِ"افْتَعَلَ"مِنَ الْوِزْرَةِ فَعَلَى الْقِيَاسِ.
رَابِعًا: أَنّهُ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْجُمْهُورِ فِي الْحُكْمِ عَلَى إِبْدَالِ الْهَمْزَةِ السَّاكِنَةِ يَاءً؛ ثُمَّ تَاءً، ثُمَّ إِدْغَامُ التَّاءِ فِي تَاءِ"افْتَعَلَ":
-قِيلَ: شَاذٌّ.
-وَقِيلَ: خَطَأٌ.
-وَقِيلَ: لَحْنٌ.
-وَقِيلَ: رَدِيءٌ.
-وَقِيلَ: عَامِيٌّ.
-وَقِيلَ: سُمِعَ مِنْ قَوْمٍ غَيْرِ فُصَحَاءَ.
وَكُلُّ ذَلِكَ لاَ يَنْبَغِي التَّمَادِي فِيهِ؛ لِثُبُوتِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَقِرَاءَاتِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ وَرِوَايَاتِهِ، وَفِي كَثِيرٍ مِنْ كَلاَمِ الْفُصَحَاءِ.
-وَقِيلَ: هُوَ عَلَى التَّوَهُّمِ.
وَهَذَا الْقَوْلُ أَخَفُّ الأَقْوَالِ؛ لأَنَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَرَى الْقِيَاسَ عَلَى التَّوَهُّمِ. [2]
وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(1) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 12/ 387.
(2) ينظر: كتاب في أصول اللغة، ص:، 44، 45، 226.