وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ هَذَا الْقِيَاسِ إِلَى ثَلاَثَةِ مَذَاهِبَ:
الْمَذْهَبُ الأَوَّلُ: يَرَى بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ أَنَّ"أَخْيَرَ وَأَشَرَّ"أَصْلاَنِ قِيَاسِيَّانِ فِي"أَفْعَلَ"التَّفْضِيلِ، وَلَكِنَّهُمَا مَرْفُوضَانِ، فَلاَ يُسْتَعْمَلاَنِ إِلاَّ فِي الضَّرُورَةِ [1] ، قَالَ ابْنُ جِنِّي -عَنْ قِرَاءَةِ: {مَنِ الْكَذَّابُ الأَشَرُّ} [2] : « ..."الأَشَرُّ"-بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ- هُوَ الأَصْلُ الْمَرْفُوضُ؛ لأَنَّ أَصْلَ قَوْلِهِمْ:"هَذَا خَيْرٌ مِنْهُ"، وَ"هَذَا شَرٌّ مِنْهُ":"هَذَا أَخْيَرُ مِنْهُ"، وَ"أَشَرُّ مِنْهُ"، فَكَثُرَ اسْتِعْمَالُ هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ، فَحُذِفَ الْهَمْزَةُ مِنْهُمَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ:"الْخُورَى، وَالشُّرَّى"، تَأْنِيثُ"الأَخْيَرِ وَالأَشَرِّ"... » [3] .
وَقَالَ الأَزْهَرِيُّ: «وَيُقَالُ:"هُوَ شَرُّهُمْ، وَهِيَ شَرُّهُنَّ"، وَلاَ يُقَالُ:"هُوَ أَشَرُّهُمْ"» [4] ، وَقَالَ الْمُؤَدِّبُ: «وَكَذَلِكَ"الْخَيْرُ، وَالشَّرُّ"لاَ يُصْرَفَانِ؛ لِهَذَا الْمَعْنَى، قِيلَ:"هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ"، وَ"شَرٌّ مِنْكَ"، وَلَمْ يَقُولُوا:"أَخْيَرُ، وَلاَ أَشَرُّ"إِلاَّ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ» [5] .
وَفِي (الْمُغْرِبِ) [6] : «قَوْلُهُ (أَسْوَأُ الطَّلاَقِ وَأَشَرُّهُ) الصَّوَابُ: (وَشَرُّهُ) يُقَالُ:"هَذَا خَيْرٌ مِنْ ذَاكَ، وَذَاكَ شَرٌّ مِنْ هَذَا"، وَأَمَّا (أَخْيَرُ وَأَشَرُّ) فَقِيَاسٌ مَتْرُوكٌ» .
وَقَالَ السَّمِينُ الْحَلَبِيُّ: «وَلاَ تَرْجِعُ هَذِهِ الْهَمْزَةُ إِلاَّ فِي ضَرُورَةٍ، قَالَ:
*بِلاَلُ خَيْرُ النَّاسِ وَابْنُ الأَخْيَرِ* [7]
وَمِثْلُهُ"شَرٌّ"، وَلاَ يَجُوزُ"أَشَرُّ"إِلاُّ فِي نُدُورٍ، وَقَدْ قُرِئَ: {مَنِ الْكَذَّابُ الأَشَرُّ} » [8] .
(1) ينظر: درة الغواص، ص:50.
(2) سورة القمر من الآية:26.
وهي قراءة أبي قلابة، وأبي حيوة، وقتادة. ينظر: مختصر في شواذ القرآن من كتاب البديع/ لابن خالويه، ص:147، والمحتسب 2/ 349، والبحر المحيط 10/ 43.
(3) المحتسب 2/ 349.
(4) تهذيب اللغة (ش ر ر) 11/ 275.
(5) دقائق التصريف، ص:246.
(6) (ش رر) 1/ 438.
(7) هذا البيت من الرجز، منسوب إلى رؤبة - ولم أجده في ديوانه- وهو في: المحتسب 2/ 349، وشرح الكافية الشافية 2/ 1127، وبلا نسبة في: همع الهوامع 6/ 45، والدرر اللوامع 2/ 224.
(8) الدر المصون 1/ 366. وينظر: درة الغواص، ص:51.