وَيُخْلَصُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الشَّاذَّ لَيْسَ غَلَطًا، وَلاَ خَطَأً، عَلَى حَقِيقَتِهِمَا، [1] قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ عَلِيٍّ النَّجَّارُ: «وَلَيْسَ مِنَ الْخَطَأِ مَا جَاءَ شَاذًّا عَنِ الْقِيَاسِ» [2] ؛ لأَنَّ الشُّذُوذَ لاَ يُنَافِي الْفَصَاحَةَ، فِي حِينَ الْخَطَأُ يُنَافِيهَا [3] .
وَلَكِنْ تَجْدُرُ الإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ يَاقُوتَ الْحَمَوِيَّ ذَكَرَ فِي (مُعْجَمِهِ) [4] أَنَّ الشُّذُوذَ يَأْتِي بِمَعْنَى الْخَطَأُ الْحَقِيقِيُّ، وَذَلِكَ عِنْدَ تَرْجَمَتِهِ لِلْكِسَائِيِّ قَائِلًا: «إِنَّ الْكِسَائِيَّ كَانَ يَسْمَعُ الشَّاذَّ الَّذِي لاَ يَجُوزُ، مِنَ الْخَطَأِ، وَاللَّحْنِ، وَشِعْرِ غَيْرِ أَهْلِ الْفَصَاحَةِ، وَالضَّرُورَاتِ، فَيَجْعَلُ ذَلِكَ أَصْلًا، وَيَقِيسُ عَلَيْهِ حَتَّى أَفْسَدَ النَّحْوَ» .
وَكَذَلِكَ فَإِنَّ الدُّكْتُورْ تَمَّامْ حَسَّانْ قَدْ سَمَّى مَا خَرَجَ عَنِ الْقِيَاسِ بِالتَّرَخُّصِ وَالْخَطَأِ، فَقَالَ: « ... وَلَسْنَا نَجِدُ مِثْلَ هَذَا التَّرَخُّصِ فِي النَّثْرِ الْفَنِّيِّ، وَلاَ فِي النَّثْرِ الْعِلْمِيِّ، وَرُبَّمَا كَانَ امْتِنَاعُهُ فِيهِمَا؛ لأَنَّهُمَا نَشَآ بَعْدَ عَصْرِ السَّلِيقَةِ؛ لأَنَّ التَّرَخُّصَ إِنَّمَا يَحْسُنُ مَعَ السَّلِيقَةِ، وَإِذَا تَرَخَّصَ مَنْ لاَ سَلِيقَةَ لَهُ عُدَّ ذَلِكَ مِنْهُ فِي قَبِيلِ الْخَطَأِ، وَهَكَذَا اضْطُرَّ الأُدَبَاءُ وَالْعُلَمَاءُ، بَعْدَ عَصْرِ الاِحْتِجَاجِ، أَنْ يَلْتَزِمُوا بِقَوَاعِدِ النُّحَاةِ؛ إِذْ أَصْبَحَتْ هَذِهِ الْقَوَاعِدُ هِيَ الْبَدِيلُ الْعَمَلِيُّ لِلسَّلِيقَةِ وَالطَّبْعِ، وَمَنِ افْتَقَرَ إِلَى هُدَى الْقَوَاعِدِ فَلاَ رُخْصَةَ لَهُ» [5] .
وَيَبْدُو مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ أَدَقَّ وَأَشْهَرَ مُصْطَلَحٍ لِمَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ هُوَ:"الشَّاذُّ"، قَالَ ابْنُ السَّرَّاجِ [6] : «وَلَوِ اعْتُرِضَ بِالشَّاذِّ عَلَى الْقِيَاسِ لَبَطَلَ أَكْثَرُ الصِّنَاعَاتِ وَالْعُلُومِ، فَمَتَى سَمِعْتَ حَرْفًا مُخَالِفًا، لاَ شَكَّ فِي خِلاَفِهِ لِهَذِهِ الأُصُولِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ شَاذٌّ، فَإِنْ كَانَ سُمِعَ مِمَّنْ تُرْضَى عَرَبِيَّتُهُ فَلاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَاوَلَ بِهِ مَذْهَبًا، وَنَحَا وَجْهًا مِنَ الْوُجُوهِ، أَوِ اسْتَهْوَاهُ أَمْرٌ غَلَّطَهُ» [7] .
(1) ينظر: الشذوذ والضرورة، ص:42.
(2) الأخطاء الشائعة، ص:19.
(3) ينظر: الأصول/ للدكتور تمام حسان، ص:108.
(4) ينظر: معجم الأدباء 4/ 95، وظاهرة الشذوذ في النحو العربي، ص:17.
(5) الأصول/ للدكتور تمام حسان، ص:87.
(6) ابن السراج هو: أبو بكر، محمد بن سهل، النحوي، البغدادي، أخذ عن المبرد، وأخذ عنه الفارسي وغيره، من كتبه:"الأصول في النحو"، و"كتاب الجمل"، و"الموجز". توفي سنة (316 هـ) . ينظر: أخبار النحويين البصريين، ص:108، 109، وإشارة التعيين، ص:313، وبغية الوعاة 1/ 109.
(7) الأصول في النحو/ لابن السراج 1/ 61.