مُبَايِنٌ لَهُمَا، وَهُوَ مَا كَانَ فِي ثُبُوتِهِ كَلاَمٌ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الإِمَامُ السُّيُوطِيُّ: «الشَّاذُّ: مَا كَانَ مِنْ كَلاَمٍ يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى خِلاَفِ الْقَاعِدَةِ الْمُطَّرِدَةِ، سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا فِي نَفْسِهِ، وَالنَّادِرُ: مَا قَلَّ وُجُودُهُ، سَوَاءٌ وَافَقَ الْقِيَاسَ أَوْ خَالَفَهُ، وَالضَّعِيفُ: مَا يَكُونُ فِي ثُبُوتِهِ كَلاَمٌ، كَـ"قُرْطَاسٍ"بِالضَّمِّ» [1] .
فَالْقَلِيلُ وَالنَّادِرُ لَيْسَا دَائِمًا مُخَالِفَيْنِ لِلْقِيَاسِ [2] ، فِي حِينَ أَنَّ الشَّاذَّ-عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ- مُخَالِفٌ فِي كُلِّ الأَحْوَالِ.
وَأَمَّا إِطْلاَقُ"الْغَلَطِ"أَوِ"الْخَطَأِ"عَلَى مَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ فَيُقْصَدُ بِهِ غَالِبًا -عِنْدَ الْقُدَمَاءِ- التَّوَهُّمُ، وَهُوَ «أَنْ يَقَعَ فِي فَصِيحِ الْكَلاَمِ بَعْضُ الشَّيْءِ نَادِرًا مِنْ نَظَائِرِهِ، يَجْذِبُهُ إِلَى غَيْرِ بَابَهِ، تُوهِمُ مُشَاكَلَتُهُ لِبَابٍ آخَرَ مِنَ الْكَلاَمِ» [3] .
وَقَدْ وَرَدَ الْغَلَطُ بِهَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِ سِيبَوَيْهِ، نَحْوِ قَوْلِهِ: «وَزَعَمَ أَبُو الْخَطَّابِ [4] : أَنَّ نَاسًا مِنَ الْعَرَبِ يَقُولُونَ:"اُدْعِهْ"، مِنْ"دَعَوْتُ"، فَيَكْسِرُونَ الْعِينَ، كَأَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ فِي مَوْضِعِ الْجَزْمِ تَوَهَّمُوا أَنَّهَا سَاكِنَةٌ؛ إِذْ كَانَتْ آخِرَ شَيْءٍ فِي الْكَلِمَةِ، فِي مَوْضِعِ الْجَزْمِ، فَكَسَرُوا حَيْثُ كَانَتِ الدَّالُ سَاكِنَةً؛ لأَنَّهُ لاَ يَلْتَقِي سَاكِنَانِ، كَمَا قَالُوا:"رُدِّ يَا فَتَى"، وَهَذِهِ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ غَلَطٌ .... » [5] ، قَالَ الْبَغْدَادِيُّ -شَارِحًا قَوْلَ سِيْبَوَيْهِ-: وَمُرَادُ سِيبَوَيْهِ بِالْغَلَطِ: التَّوَهُّمُ، لاَ حَقِيقَةَ الْغَلَطِ، كَيْفَ؟!، وَهُوَ الْقَائِلُ: إِنَّ الْعَرَبَ لاَ تُطَاوِعُهُمْ أَلْسِنَتُهُمْ فِي الْخَطَأِ وَاللَّحْنِ، كَمَا نُقِلَ فِي الْمَسْأَلَةِ الزَّنْبُورِيَّةِ [6] .
(1) الأشباه والنظائر 1/ 211. وينظر: شرح الجاربردي لشافية ابن الحاجب، ضمن (مجموعة الشافية) 1/ 20، والموارد العذبة الصافية في شرح نظم الشافية المسماة بالوافية الكافية/ للإمام عبد الجليل الحنبلي، ص:24.
(2) ينظر: الشذوذ والضرورة، ص: 29 - 31.
(3) الشذوذ والضرورة، ص:40.
(4) أبو الخطاب هو: عبد الحميد بن عبد المجيد، الأخفش الأكبر، مولى قيس بن ثعلبة، لقي الأعراب وأخذ عنهم، وعن أبي عمرو وطبقته، وأخذ عنه سيبويه، والكسائي، ويونس، توفي سنة سبع وسبعين ومئة (177 هـ) . ينظر: إنباه الرواة 2/ 157، 158، وإشارة التعيين، ص:178، 179، وبغية الوعاة 2/ 74.
(5) الكتاب 4/ 160.
(6) ينظر: خزانة الأدب ولبّ لباب لسان العرب/ للبغدادي 10/ 315، بتصرفٍ. وتنظر المسألة الزنبورية في: الإنصاف في مسائل الخلاف/ لابن لأنباري، مسألة (99) 2/ 209.