الْعَرَبَ تَقُولُ:"طَلَعَتِ الشَّمْسُ مَطْلِعًا"، فَيَكْسِرُونَ، وَهُمْ يُرِيدُونَ الْمَصْدَرَ، كَمَا تَقُولُ:"أَكْرَمْتُكَ كَرَامَةً"فَتَجْتَزِئُ بِالاِسْمِ مِنَ الْمَصْدَرِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُكَ:"أَعْطَيْتُكَ عَطَاءً"اجْتُزِئَ فِيهِ بِالاِسْمِ مِنَ الْمَصْدَرِ» [1] .
وَقَدْ وُجِّهَ -أَيْضًا-"مَطْلِعٌ"بِالْكَسْرِ، عَلَى أَنَّهُ لُغَةٌ لِقَوْمٍ مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا يَقُولُونَ فِي مُضَارِعِ"طَلَعَ":"يَطْلِعُ"بِكَسْرِ الْعَيْنِ، ثُمَّ أُمِيتَ ذَلِكَ الْفِعْلُ، فَبَقِيَ الْكَسْرُ فِي"مَطْلِعٍ"عَلَى الْقِيَاسِ فِي لُغَةِ هَؤُلاَءِ.
وَقَدْ صَرَّحَ سِيبَوَيْهِ أَنَّ"مَطْلِعًا"لُغَةٌ لِتَمِيمٍ.
ثَانِيًا: أَنَّ"مَشْرِقًا، وَمَغْرِبًا"بِالْكَسْرِ وَنَحْوَهُمَا -وَإِنْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لِلْقِيَاسِ- فَهِيَ الْفُصْحَى وَالأَكْثَرُ؛ لأَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ غَيْرُهَا فِي مَادَّتِهَا وَمَعْنَاهَا.
وَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ [2] أَنَّهُمْ يُجِيزُونَ -قِيَاسًا-:"مَشْرَقًا وَمَغْرَبًا"بِالْفَتْحِ، وَإِنْ لَمْ يُسْمَعْ [3] ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: «قَالُوا: وَالْفَتْحُ فِي هَذِهِ الأَحْرُفِ الَّتِي كُسِرَتْ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ يُسْمَعْ فِي بَعْضِهَا» [4] .
ثَالِثًا: أَنَّ الأُسْتَاذَ عَبَّاسْ حَسَنْ [5] رَدَّ عَلَى مَنْ قَالَ بِالشُّذُوذِ فِي"مَسْجِدٍ وَمَطْلِعٍ ..."وَنَحْوِهِمَا، بِأَنَّ أَغْلَبَ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ قَدْ سُمِعَتْ بِضَبْطَيْنِ (الفَتْحِ وَالْكَسْرِ) ، كَمَا فِي:"مَسْجَِدٍ، وَمَوْضَِعٍ، وَمَنْبَِتٍ، وَمَطْلَِعٍ، وَمَشْرَِقٍ، وَمَغْرَِبٍ ... [6] ، كَمَا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ أَفْعَالِ تِلْكَ الأَلْفَاظَ يَصِحُّ فِي عَيْنِ مُضَارِعِهَا الْكَسْرُ وَالْفَتْحُ أَوِ الضَّمُّ؛ مِمَّا جَعَلَهَا خَاضِعَةً لِلضَّابِطِ وَالْقِيَاسِ الْعَامِّ، وَمُطَابِقَةً لِلسَّمَاعِ."
وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ يَصِحُّ -فِي نَظَرِهِ- وَصْفُهَا بِالشُّذُوذِ أَوِ الْمُخَالَفَةِ.
وَهَذَا الرَّدُّ -فِي نَظَرِ الْبَحْثِ- فِيهِ نَظَرٌ؛ لأَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الأَوْجُهَ الشَّاذَّةَ فِي تِلْكَ الْكَلِمَاتِ أَشْهَرُ مِنَ الأَوْجُهِ الْقِيَاسِيَّةِ، فَـ"مَسْجِدٌ"بِالْكَسْرِ، أَشْهَرُ مِنْ"مَسْجَدٍ"بِالْفَتْحِ، وَعَلَى ذَلِكَ اكْتَفَى التَّصْرِيفِيُّونَ بِالْحُكْمِ عَلَى هَذَا الْمَشْهُورِ الْمُتَدَاوَلِ.
هَذَا، بِالإِضَافَةِ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ بِالشُّذُوذِ لَيْسَ عَيْبًا وَلاَ تُهْمَةً، حَتَّى يُحْتَاجَ إِلَى مُدَافِعٍ، بِدَلِيلِ أَنَّ تِلْكَ الأَوْجُهَ الشَّاذَّةَ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ مِنَ الْقِيَاسِيَّةِ.
وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(1) معاني القرآن 3/ 280، 281. وينظر: اللسان (ط ل ع) 8/ 235.
(2) ينظر: إصلاح المنطق، ص:121، والارتشاف 2/ 503.
(3) ينظر: (القاموس) (س ج د) .
(4) أدب الكاتب، ص:445.
(5) ينظر: النحو الوافي 3/ 323، 324.
(6) ينظر هذان الوجهان في: أدب الكاتب، ص:444، (باب ما جاء على مفعل فيه لغتان:"مَفْعَلٌ، وَمَفْعِلٌ") .