فهرس الكتاب

الصفحة 632 من 1015

وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ.

وَثَمَرَةُ هَذَا الْخِلاَفِ تَظْهَرُ فِي:

-أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا أَسْمَاءٌ، نَابَتْ عَنْ أَلْفَاظِ الأَفْعَالِ، -كَمَا عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ- أَوْ أَنَّهَا أَسْمَاءٌ لِمَعَانِيهَا، أَوْ لِمَصَادِرِهَا، فَإِنَّ هَذِهِ الأَسْمَاءَ تَلْزَمُ صِيغَةً وَاحِدَةً، فِي كُلِّ الأَحْوَالِ؛ لأَنَّهَا تَنْحَطُّ عَنِ الأَفْعَالِ دَرَجَةً؛ فَلاَ تَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَ الأَفْعَالِ، بِاخْتِلاَفِ الزَّمَانِ، وَلاَ تَصَرُّفَ الأَسْمَاءِ؛ لِذَا لاَ يُسْنَدُ إِلَيْهَا فَتَكُونُ مُبْتَدَأً، أَوْ فَاعِلًا، وَلاَ يُخْبَرُ عَنْهَا فَتَكُونُ مَفْعُولًا بِهَا، أَوْ مَجْرُورَةً [1] ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: «اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ، الَّتِي هِيَ أَسْمَاءٌ لِلْفِعْلِ، لاَ تَظْهَرُ فِيهَا عَلاَمَةُ الْمُضْمَرِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهَا أَسْمَاءٌ، وَلَيْسَتْ عَلَى الأَمْثِلَةِ الَّتِي أُخِذَتْ مِنَ الْفِعْلِ الْحَادِثِ فِيمَا مَضَى، وَفِيمَا يُسْتَقْبَلُ، وَفِي يَوْمِكَ، وَلَكِنَّ الْمَأْمُورَ وَالْمَنْهِيَّ مُضْمَرَانِ فِي النِّيَّةِ، وَإِنَّمَا كَانَ أَصْلُ هَذَا فِي الأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَكَانَا أَوْلَى بِهِ؛ لأَنَّهُمَا لاَ يَكُونَانِ إِلاَّ بِفِعْلٍ، فَكَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِعْلًا أَغْلَبَ عَلَيْهِ.

وَهِيَ أَسْمَاءُ الْفِعْلِ، وَأُجْرِيَتْ مُجْرَى مَا فِيهِ الأَلِفُ وَاللاَّمُ، نَحْوُ"النَّجَاءَ"؛ لِئَلاَّ يُخَالِفَ لَفْظُ مَا بَعْدَهَا لَفْظَ مَا بَعْدَ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَلَمْ تَصَرَّفْ تَصَرُّفَ الْمَصَادِرِ؛ لأَنَّهَا لَيْسَ بِمَصَادِرَ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهَا الأَمْرُ وَالنَّهْيُ، فَعَمِلَتْ عَمَلَهُمَا، وَلَمْ تُجَاوِزْ، فَهِيَ تَقُومُ مَقَامَ فِعْلِهِمَا» [2] .

وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ النُّحَاةِ الْقُدَامَى، وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ؛ لِذَا عَرَّفُوهَا بِأَنَّهَا «أَلْفَاظٌ نَابَتْ عَنِ الأَفْعَالِ مَعْنًى، وَاسْتِعْمَالًا» [3] .

وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا أَفْعَالٌ حَقِيقَةً -كَمَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْكُوفِيِّينََ- فَإِنَّهَا تَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَ الأَفْعَالِ، فَتَتَّصِلُ بِهَا ضَمَائِرُ الرَّفْعِ الْبَارِزَةِ. [4]

مِنْ أَبْرَزِ الأَمْثِلَةِ الَّتِي تَظْهَرُ فِيهَا ثَمَرَةُ هَذَا الْخِلاَفِ، مَا وَرَدَ عَنْ كَلِمَةِ"هَلُمَّ"مِنَ اخْتِلاَفٍ فِي أَصْلِهَا وَحَقِيقَتِهَا:

ذَهَبَ الْبَصْرِيُّونَ [5] إِلَى أَنَّهَا اسْمُ فِعْلٍ، مُرَكَّبٍ مِنْ"هَاءِ"التَّنْبِيهِ، وَفِعْلِ الأَمْرِ"لُمَّ"، مِنْ قَوْلِهِمْ:"لَمَّ شَعْرَهَ"بِمَعْنَى: جَمَعَهُ، وَكَأَنَّهُ قَالَ:"اجْمَعْ نَفْسَكَ إِلَيْنَا، وَاقْرُبْ، وَتَعَالَ".

(1) ينظر: همع الهوامع 5/ 119، 120.

(2) الكتاب 1/ 242، 243. وينظر: المقتضب 3/ 202.

(3) شرح ابن الناظم، ص:611.

(4) ينظر: معاني القرآن/للفراء 1/ 203.

(5) ينظر: معاني القرآن وإعرابه/ للزجاج 2/ 303، والأصول في النحو/ لابن السراج 1/ 146، وكتاب حروف المعاني/ للزجاجي 1/ 74، والمسائل الشيرازيات 1/ 182، والخصائص 3/ 35، 36، وسر صناعة الإعراب 1/ 234، والمحكم (هـ ل م) 4/ 235، وشرح المفصل 3/ 29، 30، واللباب في علل البناء والإعراب 2/ 89، 90.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت