عَلَى الْقَدِيمَتَيْنِ، وَإِنْ تَجَاوَرَتَا جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ مَعَ الْجَدِيدَتَيْنِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْجَدِيدَ لاَ يَقْضِي عَلَى الْقَدِيمِ بَيْنَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. [1]
وَزَادَ الدُّكْتُورْ تَمَّامْ حَسَّانْ سَبَبًا آخَرَ، وَهُوَ: أَنَّ الشُّذُوذَ يَحْدُثُ فِي اللُّغَةِ عِنْدَمَا يَتَرَخَّصُ الْفُصَحَاءُ فِي قَرَائِنِ الْكَلاَمِ عِنْدَ أَمْنِ اللَّبْسِ؛ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ؛ أَوْ سَعْيًا وَرَاءَ الاِبْتِكَارِ وَالإِغْرَابِ؛ أَوْ خُضُوعًا لِلضَّرُورَةِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ التَّرَخُّصِ يُسَمَّى فِي عِلْمِ اللُّغَةِ بِ"الاِبْتِدَاعِ فِي اللُّغَةِ"، أَوِ"الاِبْتِكَارِ اللُّغَوِيِّ"، وَهُوَ أَدْنَى دَرَجَاتِ الصَّوَابِ؛ لأَنَّهُ يُخَالِفُ الْقَاعِدَةَ وَالسُّنَّةَ الْمُتَّبَعَةَ فِي اللُّغَةِ، وَلاَ يَشْفَعُ لَهُ إِلاَّ أَنَّ اللَّبْسَ مَعَهُ مَأْمُونٌ. [2]
وَيَرْجِعُ سَبَبُ وُقُوعِ الشُّذُوذِ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ خَاصًّةً -إِضَافَةً إِلَى بَعْضِ مَا تَقَدَّمَ- مَا يَلِي [3] :
أَوَّلًا: جَهْلُ الرَّاوِي أَسْرَارَ الْعَرَبِيَّةِ وَدَقَائِقِهَا، مُفْرَدَةً وَتَرْكِيبًا؛ لِذَاَ أَوْجَبَ الْعُلَمَاءُ عَلَى طَالِبِ الْحَدِيثِ أَنْ يَتَعَلَّمَ كَلاَمَ الْعَرَبِ، وَمَذَاهِبَهَا؛ لِيَسْلَمَ مِنَ التَّصْحِيفِ، وَالتَّحْرِيفِ، وَسُوءِ التَّأْوِيلِ، [4] وَفِي هَذَا يَقُولُ ابْنُ الصَّلاَحِ: «حَقٌّ عَلَى طَالِبِ الْحَدِيثِ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنَ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ مَا يَتَخَلَّصُ بِهِ مِنَ اللَّحْنِ، وَالتَّحْرِيفِ، وَمَعَرَّتِهِمَا، وَيُرْوَى عَنْ شُعْبَةَ [5] قَوْلُهُ:"مَنْ طَلَبَ الْحَدِيثَ، وَلَمْ يَبْصُرِ الْعَرَبِيَّةَ، فَمِثْلُهُ مِثْلُ رَجُلٍ لَيْسَ لَهُ رَأْسٌ" [6] ، كَمَا رُوِيَ عَنْ حَمَّادٍ بْنِ سَلَمَةَ [7] قَوْلُهُ:"مَثَلُ الَّذِي يَطْلُبُ الْحَدِيثَ، وَلاَ يَعْرِفُ النَّحْوَ، مَثَلُ الْحِمَارِ، عَلَيْهِ مِخْلاَةٌ لاَ"
(1) ينظر: رأي في تفسير الشواذ في لغة العرب/ للدكتور رمضان عبد التواب، مجلة المجمع اللغوي القاهري، سنة 1403 هـ=1982 م، المجلد الخمسون، ص:43 - 44.
(2) درجات الصواب والخطأ في النحو والأسلوب/ للدكتور تمام حسان، مجلة المجمع اللغوي القاهري، شعبان 1405 هـ = مايو 1985 م، المجلد 56، ص:88.
(3) ينظر: دراسات صوتية في روايات غريب الحديث والأثر، ص:59 - 68.
(4) ينظر: غريب الحديث/ للخطابي 1/ 53 - 57.
(5) شعبة هو: ابن الحجاج بن الورد، أبو بسطام، الأزدي العتكي، أمير المؤمنين في الحديث، ممن حدَّث عنهم: أنس بن سيرين، وقتادة، وممن حدث عنه: السختياني، والثوري، توفي سنة خمس وستين ومئة من الهجرة (165 هـ) عن خمس وسبعين سنة. ينظر: التاريخ الكبير، رقم (2678) 4/ 244، وسير أعلام النبلاء 7/ 202.
(6) الأثر في: المقنع في علوم الحديث/ لسراج الدين عمر بن علي بن أحمد الأنصاري 1/ 378.
(7) حَمّاد بن سلمة هو: أبو سلمة، حماد بن سلمة بن دينار، سمع قتادة وعمرو بن دينار، وروى عنه ابن المبارك، ويحيى بن سعيد، ووكيع، توفي سنة سبع وستين ومئة (167 هـ) . ينظر: الكنى والأسماء/ للإمام مسلم، رقم (1418) 1/ 381، وكتاب مشاهير علماء الأمصار، ص:157، وطبقات الحفاظ/ للسيوطي، رقم (187) ، ص:102.