-الْقَوْلُ الثَّانِي:"أُمَّاتٌ"هِيَ الأَصْلُ، وَالْهَاءُ فِي"أُمَّهَاتٍ"زَائِدَةٌ، لأَنَّ دَعْوَى الزِّيَادَةِ أَسْهَلُ مِنْ دَعْوَى الْحَذْفِ [4] ، قَالَ الزَّجَّاجُ: «وَالأَصْلُ فِي"أُمَّهَاتٍ""أُمَّاتٌ"، وَلَكِنَّ الْهَاءَ زِيدَتْ مُؤَكِّدَةً، كَمَا زَادُوا هَاءً فِي قَوْلِهِمْ:"أَهْرَقْتُ الْمَاءَ"، وَإِنَّمَا أَصْلُهُ"أَرَقْتُ الْمَاءَ"» [5] .
وَقَالَ ابْنُ السَّرَّاجِ: «فَأَمَّا"أُمَّهَاتٌ"فَوَزْنُهَا"فُعْلَهَاتٌ"، يَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ:"أُمٌّ وَأُمَّهَاتٌ"؛ فَيَجِيئُونَ فِي الْجَمْعِ بِمَا لَمْ يَكُنْ فِي الْوَاحِدِ، وَقَدْ حَكَى الأَخْفَشُ عَلَى جِهَةِ الشُّذُوذِ أَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ:"أُمَّهَةٌ"، فَإِنْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا، فَإِنَّهُ جَعَلَهَا"فُعَّلَةً"، وَأَلْحَقَهَا ِبـ"جُخْدَبٍ"، وَمَنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِـ"جُخْدَبٍ"، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ أَنَّ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ"فُعْلَلًا"وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ:"أُمَّهَةٌ"فُعْلَهَةٌ، كَمَا قَالَ: إِنَّ"جُنْدَبًا""فُنْعَلٌ"، وَلَمْ يَقُلْ:"فُعْلُلٌ"» [6] .
رَدَّ ذَلِكَ ابْنُ دُرُسْتُوَيْهِِ بِقَوْلِهِ: «وَزَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أَنَّ الْهَاءَ فِي"أُمَّهَاتٍ"زَائِدَةٌ، وَأَنَّ الأَصْلَ"أُمَّاتٌ"، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَزْعُمَ أَنَّ"الأُمَّهَاتِ":"فُعْلَهَاتٌ"، وَالْوَاحِدَةُ:"فُعْلَهَةٌ"، وَهَذَا بِنَاءٌ لَيْسَ لَهُ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ نَظِيرٌ، وَلاَ يَجُوزُ -أَيْضًا- أَنْ تَكُونَ"أُمَّهَةٌ":"فُعْلَهَةً"؛ لأَنَّ"أُمَّهَةً"ثَانِيهَا مُضَعَّفٌ، وَ"فُعْلَهَةٌ"لَيْسَ ثَانِيهَا مُضَعَّفًا، فَإِنْ ضُعِّفَ عَيْنُ"فُعْلَهَةٍ"صَارَتْ عَلَى وَزْنِ"فُعَّلَهَةٍ"، وَهَذَا أَقْبَحُ مِنَ الأَوَّلِ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ هَذَا الْمِثَالُ، مَعَ ثِقَلِهِ، فَجَعَلَ"الأُمَّاتِ"، الَّتِي لاَ يَتَكَلَّمُ بِهَا أَحَدٌ مِنَ الْفُصَحَاءِ، وَلاَ تُوجَدُ فِي الْقُرْآنِ، وَلاَ فِي الشِّعْرِ إِلاَّ ضَرُورَةً، هِيَ الأَصْلَ، وَجَعَلَ"الأُمَّهَاتِ"الَّتِي أَطْبَقَتِ الْعَرَبُ عَلَى الْكَلاَمِ بِهَا، وَلَمْ يَجِئْ فِي الْقُرْآنِ إِلاَّ كَذَلِكَ، شَاذًّا رَدِيئًا ... » [7] .
(1) سورة النساء، من الآية: 23.
(2) سورة النساء، من الآية: 23.
(3) تصحيح الفصيح، ص: 201، 202.
(4) ينظر: المصباح المنير (أ م م) ، ومن تراث لغوي مفقود لأبي زكريا الفراء، ص:312.
(5) معاني القرآن وإعرابه/ للزجاج 3/ 214.
(6) الأصول في النحو/ لابن السراج 3/ 336.
(7) تصحيح الفصيح، ص: 202، 203.