يَطَّرِدُ بِنَاءُ"أَفْعُلٍ"فِي شَيْئَيْنِ [1] :
الأَوَّلُ: كُلُّ اسْمٍ ثُلاَثِيٍّ عَلَى وَزْنِ"فَعْلٍ"صَحِيحِ الْعَيْنِ، نَحْوُ:"فَرْخٍ وَأَفْرُخٍ"، قَالَ سِيبَوَيْهِ: «أَمَّا مَا كَانَ مِنَ الأَسْمَاءِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَحْرُفٍ، وَكَانَ"فَعْلًا"، فَإِنَّكَ إِذَا ثَلَّثْتَهُ إِلَى أَنْ تُعَشِّرَهُ، فَإِنَّ تَكْسِيرَهُ"أَفْعُلٌ"، وَذَلِكَ قَوْلُكَ:"كَلْبٌ وَأَكْلُبٌ، وَكَعْبٌ وَأَكْعُبٌ، وَفَرْخٌ وَأَفْرُخٌ، وَنَسْرٌ وَأنْسُرٌ".. » [2] .
وَقَالَ الأَنْبَارِيُّ -عَنْ عِلَّةِ جَمْعِ هَذَا الثُّلاَثِيِّ عَلَى"أَفْعُلٍ": «إِنْ قَالَ قَائِلٌ: لِمَ جُمِعَ فَعْلٌ -بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ- فِي الْقِلَّةِ عَلَى"أَفْعُلٍ"، وَسَائِرُ أَوْزَانِ الثُّلاَثِيِّ، وَهِيَ:"فِعْلٌ، وَفَعَلٌ، وَفَعُلٌ، وَفَعِلٌ، وَفُعْلٌ، وَفِعَلٌ، وَفُعَلٌ،"تُجْمَعُ عَلَى"أَفْعَالٍ"؟
قِيلَ: " لأَنَّ"فَعْلًا"أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا مِنْ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الأَوْزَانِ، وَ"أَفْعُلٌ"أَخَفُّ مِنْ"أَفْعَالٍ"، فَأَعْطَوْا مَا يَكْثُرُ اسْتِعْمَالُهُ الأَخَفَّ، وَأَعْطَوْا مَا يَقِلُّ اسْتِعْمَالُهُ الأَثْقَلَ؛ لِيُعَادِلُوا بَيْنَهُمَا» [3] ."
وَاشْتُرِطَتْ صِحَّةُ الْعَيْنِ؛ لِمَا فِي الاِسْمِ الْمُعْتَلِّ الْعَيْنِ عَلَى وَزْنِ"أَفْعُلٍ"مِنْ ثِقَلٍ، قَالَ الأَنْبَارِيُّ: «فَإِنْ قِيلَ: وَلِمَ جَمَعُوا"فَعْلًا"إِذَا كَانَتْ عَيْنُهُ يَاءً، أَوْ وَاوًا عَلَى"أَفْعَالٍ"، وَلَمْ يَجْمَعُوهُ عَلَى"أَفْعُلٍ"؟.
قِيلَ: لأَنَّهُمْ لَوْ جَمَعُوهُ عَلَى"أَفْعُلٍ"عَلَى قِيَاسِ الصَّحِيحِ؛ لأَدَّى ذَلِكَ إِلَى الاِسْتِثْقَالِ، أَلاَ تَرَى أَنَّكَ لَوْ قُلْتَ: فِي جَمْعِ"بَيْتٍ: أَبْيُتٌ"، وَفِي جَمْعِ"عُودٍ: أَعْوُدٌ"؛ لأَدَّى ذَلِكَ إِلَى ضَمِّ الْيَاءِ وَالْوَاوِ، وَالْيَاءُ تُسْتَثْقَلُ عَلَيْهَا الضَّمَّةُ؛ لأَنَّهَا مَعَهَا بِمَنْزِلَةِ يَاءٍ وَوَاوٍ، وَكَذَلِكَ الْوَاوُ -أَيْضًا- تُسْتَثْقَلُ عَلَيْهَا الضَّمَّةُ أَكْثَرَ مِنَ الْيَاءِ؛ لأَنَّهَا مَعَهَا بِمَنْزِلَةِ وَاوَيْنِ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مُسْتَثْقَلًا، عَدَلُوا عَنْهُ إِلَى"أَفْعَالٍ"» [4] .
الشَّيْءُ الثَّانِي الَّذِي يَطَّرِدُ فِيهِ هَذَا الْبِنَاءُ هُوَ: الاِسْمُ الرُّبَاعِيُّ الْمُؤَنَّثُ، الَّذِي قَبْلَ آخِرِهِ مَدَّةٌ، خَالِيًا مِنْ عَلاَمَةِ التَّأْنِيثِ، نَحْوُ:"ذِرَاعٍ وَأَذْرُعٍ"، وَ"يَمِينٍ وَأَيْمُنٍ"، قَالَ سِيبَوَيْهِ: «وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ
(1) ينظر: الخصائص 2/ 41، وشرح الكافية الشافية 4/ 1815، والتسهيل، ص:269، والارتشاف 1/ 410، 411، وشرح الشافية 2/ 90، وهمع الهوامع 6/ 87، 88.
(2) الكتاب 3/ 567. وينظر: دراسات لأسلوب القرآن الكريم 7/ 294 (القسم الثاني- الجزء الرابع) .
(3) أسرار العربية، ص:348.
(4) أسرار العربية، ص:350، 351.