صَرَّحَ الشُّرَّاحُ وَعُلَمَاءُ الْغَرِيبِ بِشُذُوذِ"أَقْرُبٍ" [1] ، قَالَ النَّوَوِيُّ: «قَوْلُهُ: (فَجَلَسُوا فِي أَقْرُبِ السَّفِينَةِ) -هُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ-، وَهِيَ سَفِينَةٌ صَغِيرَةٌ، تَكُونُ مَعَ الْكَبِيرَةِ كَالْجَنِيبَةِ، يَتَصَرَّفُ فِيهَا رُكَّابُ السَّفِينَةِ؛ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ.
الْجَمْعُ"قَوَارِبُ"، وَالْوَاحِدُ"قَارَِبٌ"-بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا- وَجَاءَ هُنَا"أَقْرُبٌ"، وَهُوَ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ خِلاَفُ الْقِيَاسِ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِأَقْرُبِ السَّفِينَةِ: أُخْرَيَاتُهَا، وَمَا قَرُبَ مِنْهَا لِلنُّزُولِ» [2] .
وَقَالَ ابْنُ الأَثِيرِ: «وَفِي حَدِيثِ الدَّجَّالِ: (فَجَلَسُوا فِي أَقْرُبِ السَّفِينَةِ) هِيَ: سُفُنٌ صِغَارٌ، تَكُونُ مَعَ السُّفُنِ الْكِبَارِ الْبَحْرِيَّةِ، كَالْجَنَائِبِ لَهَا، وَاحِدُهَا"قَارِبٌ"، وَجَمْعُهَا"قَوَارِبُ"، فَأَمَّا"أَقْرُبٌ"فَغَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي جَمْعِ"قَارِبٍ"، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى غَيْرِ قِيَاسِ.
وَقِيلَ:"أَقْرُبُ السَّفِينَةِ": أَدَانِيهَا، أَيْ: مَا قَارَبَ إِلَى الأَرْضِ مِنْهَا» [3] .
وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ: «فِي الْحَدِيثِ: (فَجَلَسُوا فِي أَقْرُبِ السَّفِينَةِ) ، أَيِ: الْقَوَارِبُ، وَهِيَ سُفُنٌ صِغَارٌ تَكُونُ مَعَ السُّفُنِ الْبَحْرِيَّةِ الْكِبَارِ كَالْجَنَائِبِ لَهَا تُتَّخَذُ لِحَوَائِجِهِمْ، وَاحِدُهَا"قَارِبٌ"، وَجَمْعُهَا"قَوَارِبُ"، فَأَمَّا"الأَقْرُبُ"فَعَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ» [4] .
فَالْقِيَاسُ فِي جَمْعِ"قَارِبٍ""قَوَارِبُ"؛ لأَنَّ"فَاعِلًا"لِغَيْرِ الآدَمِيِّ، يُكَسَّرُ قِيَاسًا عَلَى"فَوَاعِلَ"، قَالَ سِيبَوَيْهِ: «وَمَا كَانَ مِنَ الأَسْمَاءِ عَلَى"فَاعِلٍ، أَوْ فَاعَلٍ"فَإِنَّهُ يُكَسَّرُ عَلَى بِنَاءِ"فَوَاعِلَ"، وَذَلِكَ"تَابَلٌ وَتَوَابِلُ، وَطَابَقٌ وَطَوَابِقُ"، وَ"حَاجِرٌ وَحَوَاجِرُ، وَحَائِطٌ وَحَوَائِطُ"» [5] .
وَقَالَ -أَيْضًا-: «وَإِنْ كَانَ"فَاعِلٌ"لِغَيْرِ الآدَمِيِّينَ كُسِّرَ عَلَى"فَوَاعِلَ"، وَإِنْ كَانَ لِمُذَكَّرٍ -أَيْضًا-؛ لأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ فِيهِ مَا جَازَ فِي الآدَمِيِّينَ مِنَ الْوَاوِ وَالنُّونِ، فَضَارَعَ الْمُؤَنَّثَ، وَلَمْ يَقْوَ قُوَّةَ الآدَمِيِّينَ، وَذَلِكَ قَوْلُكَ:"جِمَالٌ بَوَازِلُ، وَجِمَالٌ عَوَاضِهُ ... » [6] ."
(1) شرح الطَّيْبِيّ على مشكاة المصابيح 10/ 128.
(2) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 18/ 282.
(3) النهاية (ق ر ب) .
(4) المجموع المغيث (ق ر ب) .
(5) الكتاب 3/ 614.
(6) الكتاب 3/ 633.