وَقَالَ فِي (شَرْحِ الْكَافِيَةِ الشَّافِيَةِ) [1] : «مِنَ الأَفْعَالِ أَفْعَالٌ استُعْمِلَتْ بِوَجْهَيْنِ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، كَـ"نَصَحْتُ، وَشَكَرْتُ، وَكِلْتُ، وَوَزَنْتُ"، يُقَالُ:"شَكَرْتُهُ وَشَكَرْتُ لَهُ، وَنَصَحْتُهُ وَنَصَحْتُ لَهُ، وَكِلْتُهُ وَكِلْتُ لَهُ، وَوَزَنْتُهُ وَوَزَنْتُ لَهُ"، قَالَ اللهُ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( } [2] » .
وَقَالَ الرَّضِيُّ: «وَاعْلَمْ أَنَّهُ قِيلَ فِي بَعْضِ الأَفْعَالِ: إِنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ مَرَّةً، وَمَرَّةً إِنَّهُ لاَزِمٌ مُتَعَدٍّ بِحَرْفِ الْجَرِّ، وَذَلِكَ إِذَا تَسَاوَى الاِسْتِعْمَالاَنِ، وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَالِبًا، نَحْوُ"نَصَحْتُكَ وَنَصَحْتُ لَكَ، وَشَكَرْتُكَ وَشَكَرْتُ لَكَ"» [3] .
وَهَذِهِ الأَفْعَالُ الَّتِي تَتَعَدَّى بِنَفْسِهَا، وَبِالْحَرْفِ -عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ- سَمَاعِيَّةٌ لاَ يُقَاسُ عَلَيْهَا، وَفِي هَذَا يَقُولُ الزَّجَّاجِيُّ: «وَهَذَا لَيْسَ بِمَقِيسٍ أَعْنِي إِدْخَالَ هَذِهِ اللاَّمِ بَيْنَ الْمَفْعُولِ وَالْفِعْلِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَسْمُوعٌ فِي أَفْعَالٍ تُحْفَظُ وَلاَ يُقَاسُ عَلَيْهَا، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ:"ضَرَبْتُ لِزَيْدٍ، وَأَكْرَمْتُ لِعَمْرٍو"، وَأَنْتَ تُرِيدُ:"ضَرَبْتُ زَيْدًا، وَأَكْرَمْتُ عَمْرًا"» [4] .
ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ [5] وَابْنُ أَبِي الرَّبِيعِ [6] إِلَى أَنَّ الأَكْثَرَ وَالأَجْوَدَ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ أَنْ يُقَالَ:"نَصَحْتُ لَكَ، وَشَكَرْتُ لَكَ"بِحَرْفِ الْجَرِّ، وَأَمَّا"نَصَحْتُكَ، وَشَكَرْتُكَ"مِنْ دُونِ حَرْفِ الْجَرِّ، فَقَلِيلٌ؛ لِذَا فَالأَوَّلُ هُوَ الأَصْلُ، وَالثَّانِي الْفَرْعُ.
وَذَهَبَ الإِمَامُ السُّهَيْلِيُّ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الأَفْعَالَ إِذَا تَعَدَّتْ بِنَفْسِهَا فَإِنَّهَا مُضَمِّنَةٌ مَعْنًى آخَرَ، وَإِذَا تَعَدَّتْ بِالْحَرْفِ فَإِنَّ الْمَفْعُولَ مَحْذُوفٌ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ: « ... وَرُبَّمَا تَضَمَّنَ الْفِعْلُ مَعْنَى فِعْلٍ آخَرَ مُتَعَدٍّ بِغَيْرِ حَرْفٍ؛ فَيَسْقُطُ حَرْفُ الْجَرِّ مِنْ أَجْلِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ الْفِعْلُ يَتَعَدَّى بِغَيْرِ حَرْفٍ، وَفِي ضِمْنِ الْكَلاَمِ مَا يَطْلُبُ الْحَرْفَ؛ فَيَدْخُلُ الْحَرْفُ مِنْ أَجْلِهِ.
(2) سورة المطففين، الآية: 3.
(3) شرح الكافية 4/ 139.
(4) كتاب اللامات/ للزجاجي، ص:162. وينظر: كتاب الجمل في النحو/ للزجاجي، ص:31، وظاهرة الشذوذ في النحو العربي، ص:366، 367.
(5) ينظر: أدب الكاتب، ص:327.
(6) ينظر: البسيط 1/ 460.