فَالأَوَّلُ نَحْوُ:"نَصَحْتُ لِزَيْدٍ"، وَ"شَكَرْتُ لَهُ"، وَ"كِلْتُ لَهُ"، الْمَفْعُولُ فِي هَذَا كُلِّهِ مَحْذُوفٌ، وَالْفِعْلُ وَاصِلٌ إِلَى مَا بَعْدَهُ بِحَرْفٍ؛ لأَنَّ"نَصَحْتُ"مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِكَ:"نَصَحَ الْخَائِطُ الثَّوْبَ": إِذَا أَصْلَحَهُ، وَضَمَّ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ فِي الرَّأْيِ، فَقَالُوا:"نَصَحْتُ لَهُ رَأْيَهُ"، وَالتَّوْبَةُ النَّصُوحُ إِنَّمَا هِيَ لِمَا تَمَزَّقَ مِنَ الدِّينِ، كَـ"نُصْحِ الثَّوْبِ"، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ:"نَصَحْتُ زَيْدًا"، فَيُسْقِطُونَ الْحَرْفَ؛ لأَنَّ النَّصِيحَةَ مُتَضَمِّنَةٌ لِلإِرْشَادِ، فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا:"أَرْشَدْتُ زَيْدًا".
وَكَذَلِكَ"شَكَرْتُ"إِنَّمَا هُوَ تَفْخِيمٌ لِلْفِعْلِ، وَتَعْظِيمٌ لَهُ، مِنْ"شَكَرَ بَطْنُهُ": إِذَا امْتَلأَتْ، فَالأَصْلُ:"شَكَرْتُ لِزَيْدٍ فِعْلَهُ"، ثُمَّ قَدْ يُحْذَفُ الْمَفْعُولُ، فَتَقُولُ:"شَكَرْتُ لِزَيْدٍ"، ثُمَّ يُحْذَفُ الْحَرْفُ؛ لأَنَّ"شَكَرْتُ"مُتَضَمِّنَةٌ لِـ"حَمِدْتُ"، أَوْ"مَدَحْتُ"؛ لأَنَّ مَنْ شَكَرَ فِعْلًا لِلرَّجُلِ فَقَدْ حَمِدَهُ، أَوْ مَدَحَهُ .... .... » [1] .
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ تَعَدِّيهِ بِحَرْفِ الْجَرِّ قَلِيلًا، فَيُسَمَّى -حِينَئِذٍ-ٍ بِالْمُتَعَدِّي فَقَطْ، وَيُحْكَمُ عَلَى حَرْفِ الْجَرِّ بِالزِّيَادَةِ [2] ،كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( ( ... (( (( (( (( (( (( (} [3] ، بِتَقْدِيرِ: وَلاَ تُلْقُوا أَيْدِيَكُمْ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: { (( (( (( (( (( } [4] بِتَقْدِيرِ: رَدِفَكُمْ، وَقَوْلِ الرَّاعِي النُّمَيْرِيِّ:
هُنَّ الْحَرَائِرُ لاَ رَبَّاتُ أَحْمِرَةٍ *** سُودُ الْمَحَاجِرِ لاَ يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ [5]
عَلَى تَقْدِيرِ: لاَ يَقْرَأْنَ السُّوَرَ.
فَالْمَشْهُورُ الأَكْثَرُ أَنْ يُقَالَ -مَثَلًا-:"أَلْقَى يَدَهُ، وَرَدِفَ كَذَا، وَقَرَأَ كَذَا"، أَمَّا أَنْ تَتَعَدَّى هَذِهِ الأَفْعَالُ بِحُرُوفِ جَرٍّ فَقَلِيلٌ.
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ تَعَدِّيهِ بِنَفْسِهِ قَلِيلًا، نَحْوُ:"أَقْسَمْتُ اللهَ"، فَالأَكْثَرُ:"أَقْسَمْتُ بِاللهِ".
(1) نتائج الفكر، ص:271، 272.
(2) ينظر: شرح الكافية 4/ 139.
(3) سورة البقرة، من الآية:195.
(4) سورة النمل، من الآية: 72.
(5) البيت من البسيط، وهو في: ديوانه، ص:122، وأدب الكاتب، ص:416، واللسان (س و ر) 4/ 386، والخزانة 9/ 107، 111، وبلا نسبة في: مجالس ثعلب، ص:301، والمغني 1/ 55.